غزة-نوى- شيرين خليفة:
لا يكاد يستبشر الصيادون خيراً باتفاق يمكّنهم من نزول البحر، حتى يعود الاحتلال لطبيعته في تضييق الخناق عليهم، وصدّهم عن مصدر رزقهم الذي لا يعرفون سواه، فهم يتوارثون المهنة جيلاً بعد جيل، ما يعني ارتباط حياتهم وقوت أبنائهم بالبحر وأمياله.
كعادتهم، تجمع الصيادون قرب مرسى ميناء الصيادين على شاطئ بحر غزة، منهمكين في غزل الشباك بنشاط لم يخفِ حالة البؤس التي يعيشونها رغم إنشاد ألسنتهم بأغنية "عندك بحرية".
تخويف ولكن!!
الصياد الخمسيني ناهض الأدغم، هو أب لعشرة أبناء، يروي معاناة الصيادين فيقول :"نحن ما زلنا ندخل البحر حتى 6 أميل، ولكن في كثير من الأحيان تتعرض المراكب لإطلاق نار من الاحتلال، هناك صيادون اعتقلوا وتم اصابة مراكب، الاحتلال يريد تخويفنا ومنعنا من نزول البحر".
ويكمل :"حالياً هناك صياد من شمال القطاع معتقلاً، وقبل أيام تم اعتقال صيادين اثنين واحتجاز مركبهم".
ولا يخفِ الأدغم أن نزول البحر أصبح ينطوي على مخاطر كثيرة بسبب تجاوزات الاحتلال بالإعتقال وإطلاق النار، لكن الذين لا يعرفون سوى الصيد مهنة؛ لا سبيل لهم سوى قبول المغامرة.
يقول الأدغم :"أنا من عائلة صيادين أباً عن جد، أجدادي حين هاجروا من يافا، أحضروا معهم مراكبهم ومارسوا الصيد هنا في غزة، هي مهنتنا ولا نعرف غيرها".
ويؤكد أنه حتى يتمكن من الصيد الجيد يلزم الصيادون النزول حتى 20 ميل، وهذا كان معمولاً به بعد اتفاقية اوسلو، لكن الاحتلال لا يحفظ الوعود، ضيّق المساحة الى 6 ميل، ومن ثم إلى ثلاثة أميال، وبعد اتفاق عام 2012 تم السماح للصيادين بالنزول الى 6 ميل.
أصبحنا فئة محتاجة
أما الصياد محمود أبو عاصي، وهو أب لـ18 ابناً منهم 6 صيادين، فيقول :"الاحتلال يتلاعب بنا، يدعي أنه وسّع الصيد لغاية 6 ميل، ثم يطلق النار علينا، الستة أميال أصلاً هي منطقة لا تكفي للصيد، الدول مياهها الإقليمية تصل الى 100 ميل، ونحن كان مطلبنا الوصول الى 20 ميل كي نصيد بحرية، لكن ما يجري هو فقط 6 ميل لا تكفي للصيد، ولا يوجد بها الكثير من الاسماك"
ولا يخفي الصياد أبو عاصي امتعاضه من تحوّل الصيادين بغزة إلى فئة فير مقتدرة بحيث أصبحوا بحاجة إلى مساعدات بشكل دائم، فرزقهم أصبح مرتبطاً بشكل يومي بالبحر، وحين يتوقف الصيد أو لا يعود بالسمك الكافي نتيجة تقلّص المساحة يعجز عن الإنفاق على أسرته.
ويعقّب بألم :"كنا نتبرع، نعم نحن كنا نتبرع للمحتاجين سابقاً، رزق البحر كثير وواسع، كنا بخير ومرتاحين".
ثم رفع كفيه بيأس وهو يقول: هكذا أصبح حالنا".
ليس فتحاً جديداً
في مقابلة معه أكد نزار عياش، رئيس نقابة الصيادين، أن ما جرى عقب الاتفاق الذي تم توقيعه في القاهرة قبل شهر ليس فتحاً جديداً، وليس توسيعاً مساحة الصيد البحري، فالصيد مسموح حتى 6 أميال منذ اتفاق عام 2012، إلا أنه كان من المنتظر توسيع مساحة الصيد البحري تدريجياً من 9 ميل وصولاً إلى 12 ميل، وأعرب عن أمله أن يتمكن المفاوض الفلسطيني، من تحقيق آمال الصيادين بذلك
وفيما يتعلق بالأميال الست المسموحة حالياً، فعبّر عن امتعاضه كونها غير كافية أصلاً، وقال :"الأميال الست هي مساحة رملية تخلو من تواجد الصخور، ولا يوجد بها أسماك بشكل دائم ومعظمها اسماك صغيرة، السلسلة الصخرية للأسماك البحرية تبدأ من 12 ميل حتى 20 ميل بحري، كان أملنا أن نصيد بعمق 12 ميل كما كان في اتفاقية أوسلو أو على المياه الإقليمية كباقي شعوب العالم".
وأكد عياش أن الوضع الاقتصادي للصيادين أصبح سيئاً، فهم لا يتمكنون من الصيد بحرية، عملهم يوفر قوت يومهم "يوم بيوم" وقد توقفوا عن العمل مدة 51 يوماً خال العدوان، هذا غير تعرضهم حالياً للاستهداف والملاحقة وتدمير المباني في مرسى الصيادين خلال العدوان.
وتابع :"الصيادون شريحة مستهدفة، هناك صعوبة في الاستمرار في ظل مواصلة الاحتلال التضييق عليهم، ومصادرة المراكب، الاحتلال يريد تحويلهم لفئة غير قادرة اقتصادياً ولا تشارك في الأمن الاقتصادي".
مضايقات
وأوضح أن الصيادون تعرضوا للكثير من المضايقات الاسرائيلية بعد توقف العدوان الاسرائيلي الاخير، حيث تم إطلاق النار على أربع مراكب، واحتجاز 11 صياداً، ثم اعتقال أربع أشخاص على مركب صغير قبل عدة أيام، ومن ثم اعتقال مركب كبير عليه خمسة أشخاص، وما زل المركب محتجزاً، أما المركب الأولى، فهي مصابة.
وأكد أن النقابة تسعى لتسجيل الأضرار التي يتعرض لها الصيادون، وحين تتوفر الإمكانات اللازمة من خلال المشاريع، يتم تعويضهم وإصلاح ما يتلفه الاحتلال.
ويعمل في قطع الصيد 4000 صياد، ويعتاش عليها 50 ألف نسمة، هذا خلافاً للمهن الأخرى المرتبطة بالصيد مثل تجار الشباك ومصلحي المواتير والحسكات، وحتى الحمالون وبائعو السمك، كلهم أصحاب مهن يتوقفوا عن العمل بتوقف النزول للبحر.
وينوه عياش إلى أن الصيادين كانوا عقب اتفاقية اوسلو ينزلون البحر حتى 20 ميل، فيشاركون بما نسبته 4% من الاقتصاد المحلي تراجعت حالياً بشكل كبير، وكان يتم توفير 4000 طن سمك سنوياً كان يكفي حاجة السوق لمحلي بالكامل ويتم تصدير جزء للخارج، في حين لا يتوفر حالياً سوى 1500 طن سنوياً ويتم استيراد الأسماك المثلجة من الخارج، وتكون غالباً أسماك مزارع لا يرغبها المواطن الفلسطيني الذي اعتاد على صيد البحر الطازج.
























