شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 01 اكتوبر 2026م02:30 بتوقيت القدس

أن نُفضل سُبل العيش المؤقتة

28 سبتمبر 2014 - 12:55
شبكة نوى، فلسطينيات:

بقلم/ شيرين العُكة

يتواجد المكتب الذي أعمل فيه، في الدور الأول من إحدى العمارات وسط مدينة غزة، وبهذا فإن أي قاصدٍ للعمارة يبحث عن مكان ما في إحدى أدوارها الستة، سيطرق بابنا للاستفسار، ويتواجد في الدور التالي لنا مؤسستين إحداهما خيرية والأخرى إغاثية، ومن يعيش في غزة يعلم جيدًا ما الحاجة إلى مثل هذه المؤسسات وما الذي تقدمه.

يطرق بابنا خلال ساعات العمل أشخاصُ كثر، يبدون متعبين من هيئتهم وكأنهم قدموا من أماكن نائية، يكسو وجوههم الإرهاق واللهفة، كـ لهفة العطشان الذي اقترب أخيرًا من نبع المياه بعد مسير يوم شديد الحر، ويواجهونك بسؤال موّحد "هل هذه هي المؤسسة الخيرية/الإغاثية ؟"،

أجيبهم بـ "لا " وأدلهم ليصعدوا إلى الدور الثاني، كما يحدث أن يكون العنوان الذي قدموا إليه خاطئًا، فكلمة "خيري أو إغاثي" دون تكملة المسمى، ستجعل الناس يركضون باتجاهها دون تدقيق، وحين تصحح لهم، تشعر وقتها أنهم يرفضون التصديق بأن وجهتهم كانت خاطئة، وينتظرون منك إجابة أخرى.

يتكرر هذا المشهد في الشارع وفي السيارة، حيث صدفت أن أقلتني سيارة وكان جميع ركابها متوجهين إلى ذات المكان، والذي سيتجمع فيه أهالي طلاب المدارس، ليستلموا الزي المدرسي لأطفالهم، مع العلم أن أين من الركاب لا يعرف الآخر.

يبدو تهافُتُ الناس على مثل هذه المساعدات محزن ومخيف، ويدفعك للتساؤل عن مدى استطاعت هذه الجهات توفير الاحتياجات الحياتية لهم بشكل دائم، فمن المعروف أنها تعمل بدعم خارجي، وهذا الدعم ممكن أن يتوقف في أي لحظة قد لا ترضى فيها هذه الجهات عنا.

كما أن اعتماد الناس عليها ينذر بالقلق، كمحاولاتهم المختلفة في الظهور بشكل بائس لجذب أكبر قدر من التعاطف، فالطفلة التي جلست بجانبي في السيارة، يبدو أنها "بنت ناس" لكنها ترتدي ثيابًا أكلت الشمس لونها، لكن هيئتها ستقرر لها المساعدة، وذلك بحسب تفكير أهلها.

أيضًا الكثيرون باتوا يرفضون عقود التشغيل المؤقتة "البطالة" خوفًا من توقف المساعدات التي يتلقونها سواء من الشؤون الاجتماعية أو الجمعيات، وأذكر هنا صديق لي، وهو من مصابي الحرب ويتلقى راتب جريح شهريًا، ويمتلك مهارة كبيرة في عالم الوسائط المتعددة، وكنت أتعجب من عدم حصوله على فرصة عمل، ففهمت منه أن أي فرصة تتوفر لديه و يكون عائدها أقل من قدر الراتب الذي يحصل عليها، لن يغامر بالالتحاق بها، لما يترتب عليها من انقطاع راتبه كجريح.

أمر آخر وهو أشد بؤسًا بالنسبة لي، فمن المعلوم أن المتضررين في الحرب تلقوا مساعدات مختلفة، وهذا أمر طبيعي ومفهوم، لكن ما أعجز عن استيعابه؛ تقسيم المساعدات بين الناس بحسب وضعهم الاجتماعي؛ أي إذا كان غني ومن عيلة، فستكون حصته محرزة، وإذا كان متواضع الحال، فستكون حصته أقل من متواضعة وفيها حاجيات مستخدمة، كالملابس مثلا، "حتى هنا في خيار وفقوس !!.. آه حتى هنا"!.

كان من الأجدر لو تهافتنا على ما فيه مصلحة لنا، كالعمل وبناء المشاريع، أعلم أن حديثي هذا سيثير السخرية لدى البعض، فحال البلد واقف والرواتب بالقطارة، كما أن العديد من المصانع والشركات والمشاريع الصغيرة دمرتها الآلة الصهيونية في العدوان الأخير على غزة.

أنا هنا لا أقدم حلاً أو نصيحة، ولا أقترح مبادرات تشغيلية، كما لا ألوم من تقطعت بهم السبل وقد اعتادوا أن يعيشوا حياتهم بشكل مؤقت كما اعتادوا على الموت، فهذه الحالة إحدى الإفرازات الخبيثة للحرب، إنما أردت تنبيهكم، لتسألوا من وضعنا في هذا الموقف، عاطلون لا ننتج و لا نعمل، سوى الوقوف في طوابير طويلة لاستجداء عن عطايا المؤسسات الخيرية والإغاثية.

كاريكاتـــــير