غزة- نوى- شيرين العُكة
بالبكاء استقبلت رهف جودة (11 عامًا) يومها الأول من العام الدراسي الجديد، فافتقادها ليد أمها وهي تصفف لها شعرها الأشقر وتزينه بـ "الشبرة" البيضاء، ولأخوتها رغد وتسنيم ومحمد اللذين كانوا يرافقوها لطريق المدرسة، دفعها لذرف الدموع أثناء حديثها عن ذكرياتها مع أمها وإخوتها، واللذين لم يسبق وأن فارقتهم في يوم كهذا.
الخالة رضا الور (55 عامًا) وهي مديرة مدرسة، آثرت مرافقة ابنة أختها رهف في يومها الدراسي الأول، على الحضور إلى المدرسة التي تديرها والتي لم تتخلف يومًا عن حضور بدايات العام الدراسي فيها منذ 31 عامًا، قالت الور لـ "نوى" "هذه المرة الأولى التي لا أشارك فيها طالباتي يومهم الأول، لكنني فضلت القيام بواجبي تجاه أختي الشهيدة وابنتها، ألبستها الزي الذي اشتريته لها، واصطحبتها للمدرسة".
ووصفت تجربتها لليوم بـ "العصيبة"، موضحًة "عادة ما يكون هذا اليوم مميزًا وذا بهجة، لكن طفلتي بكت فيه لافتقادها والدتها، كما بكيت وكأنني أعيش لحظات استشهاد أختي وأبنائها الأربعة من جديد"، تقطع صوتها الباكي، لكنها تابعت "يصعب عليه أن أحل محل أختي، لكنني حاولت فعل شيء يطمئن أختي على طفلتها ويسعدها في قبرها".
و لدى رهف أخ يسمى ثائر (9 أعوام)، بترت قدمه اليسرى وأصيب بشظايا في أنحاء متفرقة من جسده، ويتواجد في ألمانيا للعلاج، وهاتفته الخالة الور، وفاجأها بأنه يعلم ببداية العام الدراسي، كما سألها "متى سأعود للمدرسة ؟".
وبدأ العام الدراسي الجديد أمس الأحد، والذي بدأ قبل أسبوعين في الضفة الغربية بينما تأجل في قطاع غزة، بسبب استمرار العدوان (الإسرائيلي) وتعرض عدد من المدارس إلى القصف والتدمير، بالإضافة إلى نزوح العديد من الأسر الغزّية التي فرت من الموت من أماكن متفرقة بالقطاع.
وعن شعورها كمديرة لمدرسة تعرضت للتدمير الجزئي خلال مجزرة حي الشجاعية شرق مدينة غزة، والتي ارتكبتها مدفعية الجيش (الإسرائيلية) في 20 من يوليو الماضي، وراح ضحيتها نحو (74) شهيدًا، قالت "الأهم من التدمير الذي لحق بالمدرسة هو استشهاد ثلاثة من طالبات المدرسة، حزنت لأجلهم وكأنهم بناتي، وأخذت أقلب ملفاتهن وأحدق في صورهن، إنها تجربة قاسية".
مآسي متفاوتة
وبقدر تفاوت مصائب الغزيين إلا أن الحزن في هذا اليوم أصاب الجميع، فأم قاسم (30 عامًا) حاولت تجهيز أطفالها الأربعة بما تسمح به إمكانيات زوجها الذي لم يتقاض راتبه منذ عدة شهور، مما اضطرها إلى الاستغناء عن شراء بعض الحاجيات واستخدام ملابس أبناءها للعام الماضي.
وقالت لـ "نوى" "اليوم عادي جدًا ولم يكن كذلك من قبل، حتى زوجي الذي اعتاد على النهوض مبكرًا ليرى الأولاد في الزي المدرسي الجديد ويودعهم قبل خروجهم، بقي نائمًا، ربما لأنه محرج من عدم مقدرته لتلبية احتياجاتهم".
وتحدثت "نوى" للطفل قاسم (12 عامًا) والذي عبر عن سعادته بالألعاب التي أقامتها المدرسة رغم بساطتها، لكن أهم ما أرقه هو اختفاء طالبين من المدرسة، وقال "أنا لا أعرفهما، لكنني أذكر وجوههما وأسمائهما كذلك، قال زملائي أنهما استشهدا، وقال آخرون أنهما سافرا للعلاج في الخارج".
أما سعاد صبحي (27 عامًا) والتي جهزت أطفالها الثلاثة كسابقتها؛ أفادت بأن لديها طفل في رياض الأطفال ولم يلتحق بفصله الذي بدأت فيه الدراسة منذ أسبوع، ذلك أن قسط الشهر الأول لم يتوفر لديها بعد، بينما ابتاعت لطفليها اللذين في المرحلة الابتدائية أهم اللوازم التي تسمح له بالذهاب للمدرسة.
وقالت صبحي لـ "نوى" "اشتريت لأطفالي الثلاثة الأحذية والبناطيل، أما الحقائب والقرطاسية فسأنتظر ربما توزعها عليهم المدارس أو بعض الجهات المانحة".
بينما عبرت حنين رزق والتي اصطحبت طفلتها إلى المدرسة كعادتها في أول يوم من كل عام، عن استيائها للحال الذي وجدت عليه المدرسة، وأوضحت لـ "نوى" "لقد تم نقل ابنتي لمدرسة بعيدة والسبب في ذلك هو رفض النازحين في المدرسة المحيطة بنا إخلاءها فهم لم يجدوا مأوى بعد، علاوًة على ذلك المدرسة غير نظيفة وبحاجة لإعادة تأهيل".
وأضافت "إن كان لا بد من نقلهم لمدرسة أخرى فيجب أن تنقل معهم الهيئة التدريسية، لكنني وجدت ابنتي غريبة وحزينة وسط مدرسة بعيدة ومعلمات جديدات، مما جعلها تطالبني بعدم المغادرة والبقاء إلى جانبها".
وأفادت بأن ما أشيع عن وجود فريق دعم وتفريع نفسي للطلبة منذ اليوم الأول، لم تجد له أثرًا،
وتابعت مؤكدة "هذه ليست حال مدرسة ابنتي فحسب، فأنا وبحكم عملي المؤسساتي زرتُ أربعة مدارس على الأقل وكانت على نفس الشاكلة، أضف لذلك أن أحد المدارس شرق غزة، كان الأهالي النازحين متواجدين داخلها وقد شكلوا اعتصامًا، مطالبين فيه الحكومة والوزارة توفير مأوى لهم".
لا يمكن لتقرير أن يُحصي مآسي الغزيين، فقد تناقلت وكالات الأخبار صورًا لطلاب يبكون لفقدهم زملائهم اللذين لن يعودوا للدراسة مجددًا، بينما حضر آخرون بدون الزي المدرسي لعدم مقدرة ذويهم على توفيره لهم، ناهيك عن انتظام الطلاب في طوابير داخل مدرسة تشوهت معالمها بفعل الصواريخ والقذائف.
























