شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 01 اكتوبر 2026م10:09 بتوقيت القدس

انكشاف النساء في الحرب على غزة

14 سبتمبر 2014 - 13:49
النساء في خزاعة تصوير"حاتم عمر
النساء في خزاعة تصوير"حاتم عمر
ريما نزال
شبكة نوى، فلسطينيات:

حجم النقاشات التي دارت بين النخب النسوية والمهتمين بالقرار 1325، من الأكاديميين والحقوقيين والسياسيين الفلسطينيين، يفوق حجم التطبيقات المنجزة على خلفية قرار مجلس الأمن الخاص بالنساء ومشاركتهن بالأمن والسلام، ولن تدفعني حقيقة الغرق في نقاش المبادئ إلى التقليل من حجم وأهمية الأنشطة المنظمة المستندة إلى القرار المندرجة في إطار التطبيقات، لكونها أفادت في اختبار صحة الرؤية الفلسطينية العامة للقرار، التي أمسكت بمقاربة القرار بحالة المرأة الفلسطينية تحت الاحتلال، من خلال ربطه بقرارات ذات صلة بالقضية الفلسطينية صادرة عن ذات الجهة الأممية، وربطه بالقوانين الدولية الإنسانية. 
لكن الحالة الفلسطينية بغنى عن المزيد من النقاش حول المبادئ والمفاهيم، بل لا تقتضي استمرار قراءة الأثر الذي يتركه الاحتلال على الضحايا ومحاسبة المتسبب بها، ورصد الاحتياجات الجديدة للنساء ومراعاتها، وهي الاحتياجات التي أظهرتها بوضوح الحرب الأخيرة على غزة وتداعياتها ورفع شأن تطبيق المفهوم والرؤية الفلسطينية على الأرض، وتعميمها على الساحات الدولية لحشد القوى بوجهة المساءلة مع تطوير الأدوات المستخدمة لتظهير الأثر.. حيث لوحظ أن انعكاسات الحرب على النساء والأطفال تختلف عن انعكاساتها على باقي القطاعات، وتم استخلاص أهمية مراعاة الاحتياجات المختلفة للمرأة والطفل الخاصة عن احتياجات باقي الفئات، واختلاف المساعدات الإنسانية والإغاثية المقدَّمة لهما. 
تفاوت وتباين الاحتياجات الإنسانية والإغاثية، هو ما ظهّرته مبكراً مسؤولة مكتب المرأة في الأمم المتحدة في غزة، عندما دعت فورا بعد الهدنة الأولى، إلى اجتماع ضم المراكز والمؤسسات النسوية في غزة قدمت خلاله المعلومات المتعلقة بتفاوت أثر الحروب على النساء في غزة، كما قدمت رؤيتها إلى مؤتمر طاقم شؤون المرأة في الضفة، للإضاءة على الموضوع وطرح الاستحقاقات، الذي يرتِّب مهمة جديدة على الائتلافات المنشأة للعمل بالقرار الذائع الصيت 1325، والمتمثلة بضرورة تطوير استمارة توثيق الانتهاكات والجرائم المرتكبة من الاحتلال بحق المرأة، واستيعاب الجوانب الجديدة للأثر وإضافته لاستمارة التوثيق من خلال إدخال الأبعاد "الجندرية" انسجاماً مع خصوصية المرأة في القرار.
ثلاث حروب متوالية شُنت على غزة في الخمس سنوات الأخيرة، أوضحت بعمق تباين انعكاس الحرب وخاصة في قياس أثر الهجرة. وللاقتراب أكثر من الحالة، تم رصد ما أظهرته الحرب التي تواصلت خمسين يوما على قطاع غزة. حيث أشارت المُعطيات إلى تهجير أكثر من نصف مليون انسان نصفهم من النساء، وفي معاناة الهجرة وأهوالها يستوي النساء والرجال، ولكن المختلف يتركز في طبيعة الضرر ونوعيته على المرأة بسبب الخصوصية الفسيولوجية، وبسبب تعقيدات البيئة المحافظة والتمييز الممارس ضد النساء والطفلات.
وحتى لا يبدو الأمر كترف "جندري" لا يحتمله الواقع، سأذهب إلى حقيقة أن غزة قد شهدت ولادة أكثر من خمسة آلاف طفل خلال الحرب، ولنا أن نطلق خيالنا قليلاً وتصور الظروف التي تمت بها الولادة، وتوقع المعاناة التي تليها. وسأترك للشهادات أن تقول ما لا يستطيع الإعلام خوضه وتظهيره، بل لا يلتفت إليه بسبب حساسيته وعلاقته بالانكشاف الاجتماعي، لكن الشهادات ذهبت بجرأة إلى ما خلف الخبر الذي كان يركز على البعد الوطني والديموغرافي للولادات في مواجهة استهداف الاحتلال الإبادة والتطهير العرقي. 
تشير شهادات النساء الى أن من حالفهن الحظ وضعن مواليدهن في المستشفيات سرعان ما تنكر لهن، بسبب تخريجهن المبكر دون القدرة على الحصول على الأدوية والمستلزمات الطبية، كما اشتكين من سوء وقلة العناية الصحية في مراكز الإيواء. فكيف الحال بمن وضعن مواليدهن في بيوت الايواء وغيرها عقب هجرة مرعبة..!.
أما بعد الولادة فعجزت الشهادات عن توصيف الواقع والمشاعر، والتي أشارت إلى العناوين التي يدرج تحتها جميع أشكال المعاناة التي يمكن اختبارها ولا زالت قائمة، من شحّ العناية والمواد الصحية ونقص المرافق الصحية، إلى افتقاد بيوت الايواء لغرف الاستحمام، وسوء التغذية للأمهات والأطفال، إلى اكتظاظ واختناق الغرف الصفية...دون أن نغيب عاملاً قوياً يتحكم ويفاقم من اثر المعاناة الإنسانية والمتمثل بسيطرة ذكور العائلة على حركة النساء وتوقيتها، بسبب الضغط الاجتماعي والمخاوف من الاعتداءات وعلى السمعة، في ظرف انكشف الواقع أمام السماء، وبشكل أوضح ويحط بكرامة المجتمع وعلى الأخص النساء. 
هذا غيض من فيض عناوين مما قدمته الشهادات، وهو الأمر الذي يوضح انعكاسات واحتياجات مختلفة للنساء عن غيرها من الفئات في الشارع وبيوت الإيواء والبيوت المستأجرة ولدى الأقارب ورحاب الحدائق.. وبما يضع الكل النسوي أمام استحقاقات تطوير استمارة التوثيق من الزوايا الجندرية، والعمل مع "الأونروا" وسائر المؤسسات الإغاثية لتلحظ احتياجات النساء والأطفال وتعديل مساعداتها الإنسانية.

كاريكاتـــــير