شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 01 اكتوبر 2026م11:09 بتوقيت القدس

هناك توقف الزمان

14 سبتمبر 2014 - 13:15
هدايه شمعون
شبكة نوى، فلسطينيات:

رأسي فارغ من كل شيء. الشريط الاخباري يمر كقطار محطم يجاهد ليستمر في سيره.. حياة صغاري تقفز أمام ذاكرتي الحية.. أرى ضوءا شديدا لا أكاد أجرؤ على فتح عيناي.. الحياة تسير سريعا وبقوة ..أصوات العشرات وصراخهم وأيدي تضغط على أنحاء جسدي!! الوجع ينفضني لكني لا اقوى على فتح عيني.. الممر طويل وكأني على سرير جلدي ممزق أو أنه جسدي الممزق!! أشعر بلزوجة الدم أتذوقها. رائحة الأسمنت والتراب في عيني وفمي وأنفاسي.!! أسعل بشدة.. فيزيد صراخ من يجري بي في ممرات المشفى.. اسرعوا ..حالة طارئة!!

رأسي كأنه شج من منتصفه لا أعرف ولا أكاد أشعر إلا بألم رهيب في كل أنحاء جسدي شعور الجريح والمحروق والمخنوق والمكلوم.. صراخي لا يخرج ربما أنا مت ولازلت في حالة حياة!!؟؟ لا أعرف تقييم حالتي.. تلك اللحظات هي موت وربما هي نزاعي مع الموت للتشبث بالحياة..!!

نعم كنت أحمل رواية صغيرة أردت أن أشغل ذهني وسط انقطاع التيار الكهربائي الدائم كي لا اشعر بالخوف والرعب من شدة الانفجارات.. وفكرت أن أغفو لم اسمع صوتا لم أشعر سوى بريح عاتية كتلك التي قرأت عنها في غابر الأزمان!! ولهيب يحرق كل أوراقي وكتبي ودفاتري!! الليل تحول لكتلة نهار من شدة الانفجار.. كل شيء تهاوى رأيت السقف كورقة بالية يتهاوى والاعمدة الخرسانية، الأرض تشققت وهوت الأحجار وكل شيء في المنزل!! لم اصرخ ولم أهرب ولم أشعر إلا بأني كما شعرت أليس وكأني أطير!!

 ربما "أليس" لم تطر أبدا في قصتها المشهورة لكني طرت ..شعور بأنك خفيف وأن هنالك سماء وأشجار تتحرك بسرعة وأنت أشبه بطائر لا تعرف أين تحط ..وقعت فجأة حين ارتطمت بحائط آخر.!! ربما حائط الجيران لا أعرف أين أنا ولا أفهم ما الذي حدث..!!

ما أعرفه أنني لست ميتة لأني أسجل كل شيء بعيني المغمضتين.. أشعر بوخز الإبر وبعشرات الايدي كأني على سرير آخر في المشفى لا أعرف هنالك من يحاول أن يوقظني لكني لا أعرف هل نائمة أم ميتة!! أسئلة كثيرة تدور في رأسي.. الشريط الاخباري أيضا يمر في عقلي والمجازر الإسرائيلية بحق أطفال غزة يسيطر على تفكيري؟؟! هل أنا طفلة أيضا تم استهدافها لأنها تحب قراءة الاساطير وحكايات الجنيات والأحلام!! هل يستهدفون من يحاول أن يتخيل عالما أكثر جمالا..!! أنا لا أملك قلما أو دفترا كل ما أملكه مخيلة خصبة زرعتها مع كل القصص التي قرأتها وأنا صغيرة!! ويلي كيف لا أذكر أطفالي؟؟!! أين أطفالي الثلاثة؟!! كنت أقرأ لهم رواية من عقلي ولم أفكر في تغطيتهم بعد أن نال الحر من أعناقهم. !! هل هم على قيد الحياة.. نطقت وأنا غارقة في دمي!! أطفالي وينكم ياولاد..!!

عاجلني أحدهم بدفعة أوكسجين ظانا أنني على قيد الحياة.!!

رأيت صغاري حين غفوت أكثر أحدهم في مشفى متواضع مصابا ودمه يغطي الشاش الأبيض، وطفلتي سجلت خطأ باسم آخر من كثرة المصابين ووجوههم الإسمنتية المغبرة وتم تحويلها إلى مشفى آخر، وطفلي الآخر لم اجده بعد.. أبحث في وجوه المسعفين والأطباء عن روحي لكني أعود أرتد لأجد جسدا مسجى على سرير المشفى ..!!

حكاية لم تنته حكاية من وحي مجزرة رفح حكاية ليست لها نهاية لأن البداية ليست ككل الحكايات.. أنا لازلت سجية جسدي وبقيت هناك أراوح مكاني عل روحي ترتد فأقص عليكم قصتي .!!

..

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(*) كاتبة وإعلامية تقيم في غزة

كاريكاتـــــير