يتكون لدينا مناخ ما يدعو، وبشكل ما، نقل تجربة الضفة إلى غزة. وقد عبر عن هذه الفكرة رمضان شلح، الأمين العام للجهاد الإسلامي، في مقابلة له مع قناة فلسطين اليوم. لكن آخرين كثيرين غيره يرددون الفكرة.
ولنبدأ بالقول أن ما حدث في غزة سوف يترك بصماته العميقة على الوضع في الضفة الغربية، سواء تعلق الأمر بأشكال المقاومة، وتكتيكاتها، أو بالتكوينات السياسية وتوازناتها. هذا أمر لا شك فيه، ولا مفر منه.
غير أنه يقتضي الحذر حين يتم الحديث عن (نقل) تجربة غزة إلى الضفة. فتاريخيا، كانت عمليات (النقل المباشر) تؤدي إلى خسارات جديدة. خذ مثلا تجربة جيفارا في بوليفيا، التي انتهت بالخسارة الشاملة، لأنها كانت نوعا من نقل التجربة الكوبية مباشرة.
الحماس الذي تولده تجربة ناجحة ضروي لدفع روح المقاومة. لكن الاندفاع وراء هذا الحماس قد يوصل إلى ما لا تحمد عقباه. مثلا، أعتقد أن هروب القوات (الإسرائيلية) من جنوب لبنان كان واحدا من الأسباب وراء الانتفاضة الثانية، وتكتيكاتها المسلحة غير المتقنة. فمنظر هروب (الإسرائيليين) المهين كان يكمن في أعماق أبو عمار حين دفع نحو الانتفاضة الثانية.
وقد أدى استخدام السلاح في هذه الانتفاضة، بالطريقة التي استخدم فيها، والتي لا تحمل قدرا كبيرا من الجدية والرصانة، إلى أعطاء (الإسرائيليين) الهاربين فرصة لاستعادة قوة الردع التي انثلمت في جنوب لبنان. ولم يكن مهما بالنسبة لهم أن الضفة كانت غير مؤهلة مثل جنوب لبنان للمواجهة. فالمهم عندهم أن الجنود الهاربين منحوا فرصة كي ينتصروا على شبان الحواري في المدن والبلدات. وكان هذا خطأ كبيرا من جانبنا.
وما يجب أن نضعه نصب أعيننا الآن هو أن لا نسمح بتكرار هذه التجربة مرة أخرى. أي أن لا ندع للجيش (الإسرائيلي)، الذي أربك وأهين في غزة، أن يستعيد كرامته وقوة ردعه في حرب غير مخطط لها بدقة في الضفة الغربية. ظروف الضفة تختلف عن ظروف غزة تماما. فغزة وراءها تاريخ من المواجهة العسكرية يمتد من العمليات الفدائية في الخمسينات، بقيادة الضابط المصري الشهير مصطفى حافظ، إلى تجربة قوات التحرير الشعبية وتجربة الجبهة الشعبية العسكرية بعد عام 1967، إلى تجربة المواجهة في التسعينات، ثم إلى الأنفاق وتهريب الأسلحة. وحتى في أشد أيام قطاع غزة حصارا، فإن حصارها العسكري لم يكن مثل حصار الضفة الغربية من الناحية العسكرية. فالحدود المصرية لم تكن أبدا مغلقة مثل الحدود الأردنية. وما لم يحدث خلل ما على الجانب الأردني، فإن الأمر سيظل على ما هو عليه لفترة لا نعرف مداها.
بذا، فمن الأفضل لنا أن نحسب الأمور جيدا جدا.
بالطبع، هذا لا يعني أن تجربة المفاوضات لم تنته. لقد انتهت فعليا. وسينتهي رموزها في وقت غير بعيد. وسيفتح هذا الباب المجال أمام تنويع أشكال المواجهة، بكل تأكيد. ولن يكون ممنوعا اللجوء إلى السلاح في لحظات ما. لكن الحديث عن نقل التجربة، هكذا مباشرة، يبدو لي متسرعا.
على كل حل، فتجربة غزة ذاتها لم تكن نقلا مباشرا لتجربة جنوب لبنان 2006، وإن كانت تحمل بعض سماتها. وهذا ما أربك الجيش (الإسرائيلي) أصلا. فقد تدرب على حرب مثل حرب عام 2006، لكنه فوجئ بأن العام 2014 كان يحضر له حربا مختلفة.
المهم هو أن لا يأخذنا الحماس، وأن ندرس الوضع بدقة قبل أن نتحدث عن (نقل التجارب). ولعل المرء أن يتذكر مثلا أن الجناح العسكري لحركة حماس لم يقاتل عام 20012 قتالا جديا. وقد كنا مندهشين وقتها من ذلك تماما. فقد كانت هناك تصريحات غليظة، في حين أنه جرى على أرض الواقع تجنب المواجهة. لكن يمكننا الآن أن نحكم بأن هذا التكتيك كان صائبا. فلم يكن الاستعداد وقتها قد أنجر للمواجهة الجدية. لذا كان من الصواب تجنب الاشتباك الواسع الشامل والخروج بأقل الأضرار.
أما في عام 2014، فيبدو أن الاستعدادات كانت كافية لخوض معركة واسعة وجدية، وهو المعرجة التي شهدنها بأم أعينننا
























