لا يمكن الحفاظ على تماسك شعب مضطهد، وعلى تماسك هويته الوطنية، إذا انعدمت خياراته.
وقد كان هذا حال الشعب الفلسطيني في السنوات العشر الأخيرات. إذ وضع هذا الشعب أمام خيار وحيد فقط: المفاوضات، لكي يهان على طاولة هذه المفاوضات كل يوم. المفاوضات كخيار وحيد هي خير الشحاذ: أن يقعد عل الرصيف منتظرا يدا ترمي له فلسا.
وقد أدى خيار الشحاذين المرير هذا إلى مظاهر تهدد جديا بتفكك الوطنية الفلسطينية وغيابها.
من هنا كانت معركة غزة، رغم آلامها الفظيعة، استعادة للخيارات، أي استعادة للروح. فنحن لسنا مجموعة من الشحاذين تقف على الرصيف بانتظار المحسنين، بل نحن شعب يستطيع أن يخلق الخيارات، وأن يمسكها بها بين يديه. ومن أجل هذا جرى الاحتفال بنتيجة المعركة. كان الناس ينزفزن ويحتفلون، لأنهم استعادوا الخيارات، أي استعادوا فكرة كونهم شعبا لا مجموعة من الشحاذين المهانين.
هذا أمر لن يستطيع ان يدركه ابو مازن والشلة التي حوله. فقد استسلموا لفكرة انعدام الخيارات، فكرة الشحاذين الذين يقعدون على الرصيف بانتظار فلس يرمي في حجرهم أو يدهم. لن يدركوا أبدا ان الناس كانت تحتفل بالقضاء على فكرة الشحادين، والعودة إلى فكرة الشعب الذي يملك خياراته المتعددة بين يديه.
ولأنهم لا يستطيعون إدراك ذلك، فهم يتصرفون على أن ما حصل مجرد كارثة. من وجهة نظرهم، فلقد تجرأ الشحاذ على التمرد، فأدمي أنفه. هذه هي فكرتهم عن معركة غزة. وهم بهذا التصور لا يستطيعون قيادة شعب نزف بشدة حتى يستعيد وعيه بذاته، وحتى يستعيد خياراته وصورته.
معركة غزة، بكل آلامها، صانت وحدة الشعب من التمزق، عبر استعادتها فكرة الخيارات.
وهنا يكمن المغزى التاريخي الأول لهذه المعركة، إذا تناسينا كل مغازيها الأخرى.
بهذا المعنى، فهي معركة فوق التنظيمات، فوق التيارات، وفوق المصالح الضيقة لهذه التنظيمات والتيارات.
* ملاحظة: كان خطاب مشعل في الدوحة خطابا عنجهيا، مفككا، وغير مدرك لما جرى في غزة. فقد كان همه تقديم الولاء للشيخ تميم ومحوره، المحور القطري- التركي، محور الحروب الأهلية العربية في سوريا، وليبيا، والعراق، واليمن، وكل مكان.
























