غزة-نوى-شيرين العُكّة
كانت على وشك كتابة قصة تتناول حياة مسجد الإمام الشافعي الكائن في حي الزيتون شرق مدينة غزة؛ الحي الذي نبتت فيه بذرة عائلتها وترعرّت، إلا أن عزيمتها تراخت، فنحن عندما نكتب عن أنفسنا نتململ ونؤجل الأمر إلى أن تفلت منّا الكلمات ويصعب علينا الإمساك بزمامها.
اختناق أصوات المآذن حفزها للكتابة مجدداً، كما أثار رعبها محاولة قامت بها أختها لعد المساجد المتبقية في الحي، فلم يظهر على أصابع يدها سوى مسجدين قصف أحدهما اليوم، وكانت وزارة الأوقاف بغزة قد أعلنت عن تدمير (71) مسجداً تدميراً كليّاً و (200) تدميراً جزئيّاً.
غيّرت عائلتها مكان إقامتها منذ (18 عاماً)، وأصبحت لا ترى "الشافعي" سوى أثناء مرورها به وهي في طريقها إلى الجامعة، كانت تراه يكبر عاماً بعد عام، يصبح أجمل وأبهى، وتعود ذاكرتها للماضي بينما هي محشورة في سيارة أجرة صغيرة، تتذكر أمها وهي تصطحبها للصلاة فيه عندما كانت طفلة، لم تكن تصلي بل كانت تتأمل صفوف المصلين حولها، تراقبهم وهي تضحك وتلعب فتوبخها أمها بعد انتهاء الصلاة.
لم تحتفظ ذاكرتها بأكثر من ذلك، فقد انتقلت عائلتها لبيت أخر وهي في سن مبكرة لتظل صورة المسجد محفورة في ذاكرة الطفلة لتحدث إخوتها عن البيت القديم والمسجد الذي يتجدد ويرتقي كل عام.
قدر لها أن تعود ثانية إلى بيت طفولتها، لكن هذه المرة هروبا من الحرب وبحثا عن مكان أكثر أمنا، ولم يكن في مخيلتها أنها عادت لتشهد المسجد يتساقط حجرا حجرا أمام ناظريها.
في تمام الساعة الثانية منتصف ليل الثاني من أغسطس، لم تنم ليلتها كغيرها من سكان غزة فأصوات الانفجارات لم تتح لأحد نوما هادئاً، كما أزعج نومها صوت سبع انفجارات هائلة، صاروخ يتبعه آخر، يضيء السماء وكأنه النهار في طلعه، والهدف المقصود "الشافعي"؛ مكان مرحها وهي طفلة والمسجد الذي يكبر معها عاماً بعد عام.
كان روح، كان ثورة
"لم يكن الشافعي مجرد مسجد، كان ثورة وتحدي، تحدي للفقر وقلة الإمكانات فقد بناه شباب الحي على أكتافهم وبنقودهم التي جمعوها شيقلا شيقلا"، هكذا تحدث الأربعيني محمد العُكة واصفاً شعوره إزاء ما حلّ "بالشافعي"، وأضاف "مؤسف أن يفقد الحي هكذا صرح شامخ، مازلت أذكر يد أبي وهي تمسك بيدي طفلاً في السابعة من العمر، ليصطحبني للصلاة فيه، كما يذكر ذلك جيداً ابني حامد ( 10أعوام)".
مؤيّداً قال حامد الذي كان يرقدّ بجانب والده "نعم كنت أصلي فيه الجمعة، وكنت أحضر المخيمات والرحلات التي يعقدها المسجد كل عطلة صيفية، وأستمع لقصص الأنبياء وأحفظ القرءان وألعب أيضاً".
وأكمل الأب ما بدأه ابنه "لم يكن للصلاة فقط، كان فيه مركزاً لتحفيظ القرءان ولجنة إصلاح فعّالة، ولجنة زكاة تساعد المحتاجين ومكتبة، وساحة كبيرة تقام فيها صلاة الأعياد و الاحتفالات".
و"الشافعي" هو أكبر مساجد قطاع غزة، تبلغ مساحته (2500 متراً)، ويتكون من (3) طوابق وقد بدءا الإعداد للرابع، مزين بالحجر القدسي ومئذنة يبلغ طولها حوالي (12 متراً) كنتُ أراها على بعد (3) كيلو من سطح منزلنا، ويتقدم المسجد ساحة كبيرة، كانت للاحتفالات وصلاة الأعياد، لكنّها اليوم أصبحت مسجدهم، حيث ترفع منها الصلاة ويبدو أن ذلك المشهد لم يرق لإسرائيل، فقد عاودّت قصفه مجددّاً بصاروخين على الأقل.
وتحدث العُكة عن انفعال الناس وحزنهم إزاء ما حلّ "بالشافعي"، فقد كانوا متجمهرين حوله، بعضهم يبكي والبعض الآخر يحتسبه عند الله، وآخرون يتلفظون بعبارات العزاء، حتى أنَّ أحد المسنين قال "لو استشهد ولد من أولادي لكان أهوّن عليّه من قصفه".
"ركن من روحي انهار، الصلاة، العبادة، المناسبات السعيدة، طهارة المكان، كلها تحطمت، كان ملتقى الأحبّة"، رثت الثلاثينيّة سلوى حامد "الشافعي" مفصحًة عن حجم خسارتها "إنه ركن من أركان حياتنا، كنّا نخشى عليه دوماً، وبعد دماره لم نعدّ نخشى علي شيء".
تدخل الطفل حامد مرة أخرى وقاطع أمه سلوى، قائلاً "عندما قالوا أنَّ الشافعي انقصف لم أصدق، وقلت كيف يعني انقصف!، في كل مرة يحميه الله، أليس هو بيت الله؟، إذن سيحميه".
و تأكدّ من يقين الخبر عندما رافق والدّه صبيحة اليوم التالي فقال مستنكراً "رأيته نعم لقد انقصف، أين سأصلي الآن؟، ومن سيعوض هذا المسجد؟ من أين سيجمع الفقراء نقوداً ليبنوه مرةً أخرى؟، لن نعوّض الشافعي".
جرحُ مكابر
سلوى حامد "الخسارة كبيرة، لكن سنعوّضه إن شاء الله، طالما قلوبنا على بعض سنعوّضه"،
محمد رشيد "كلما صليت في مسجد غيره أفتخر بالشافعي وأتذكر كيف بنيناه من لا شيء، واليوم سيعود كما كان بحبنا وعزيمتنا."
الكل على جرحه يكابر كما هي، ويشعر بحجم الألم الذي يزداد غوره كلما رأيتَ المسجد وقد تحول إلى أكوام من الحجارة، فالكل هنا يراهن على الزمن وغزة؛ التي ستعود أجمل.
























