شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الجمعة 02 اكتوبر 2026م01:15 بتوقيت القدس

قصائده تحولت الى نشيد وهتاف من اجل الحرية

القاسم : شعر المقاومة ضد الاحتلال والتخلف والجهل

24 اعسطس 2014 - 02:16
شبكة نوى، فلسطينيات:

حاوره: يوسف الشايب

في الجزء الثاني من الحوار الأخير معه، يؤكد الشاعر الراحل سميح القاسم أن شعر المقاومة ليس فقط ضد الاحتلال، بل ضد الطاغوت العربي، وضد التخلف والجهل. كما يستذكر المشاركة في افتتاح الجامعة العبرية، ودعوة العديد من المثقفين العرب للاحتفال، حيث أرسل طه حسين برقية تهنئة، وحضر احتفال وضع حجر الأساس للجامعة لطفي السيد الذي كان يعرف بـ "أستاذ الجيل" في مصر.

ويتذكر القاسم مشاريع يهودية أخرى، من بينها مشاركةُ مفتي يافا في افتتاح مشروع لصناعة الخمور في "غوش عتصيون" قبل العام 1948.

كما يتذكر كيف أن الشاعر العراقي الشهير معروف الرصافي نظم قصيدةً يصف فيها ليلة لقائه بهربرت صموئيل بأنها كـ "ليلة القدر".

وبخصوص شعر المقاومة، يقول نحن لا نرتجي نجومية من وراء شعر المقاومة وشعر القضية. "حلّوا قضيتي وقضية شعبي وروحوا بستين داهية إنتو والشعر". نحن لم نصنع الكارثة لنكتب شعر مقاومة وشعر قضية. ما به شعر الحب والمرأة والطبيعة؟، لكن حين نسحق بحذاء جندي أجنبي لابد أن نصيح.

وكان القاسم في الجزء الأول من الحوار تناول إشاعات إلقائه قصيدة رثاء لرئيس الوزراء (الإسرائيلي) السابق إسحق رابين، وعن الحصار الذي تفرضه دول عربية عدة عليه وعلى كل مبدعي الأراضي الفلسطينية المحتلة في العام 1948 لمجرد قرار والديه ومن ثم هو البقاء في أرضه.

كما تحدث عن دور المثقف الفلسطيني تاريخياً في التعاطي مع هموم شعبه وقضاياه، بل سرد حكايات نادرة تدين شعراء عرباً كباراً وشخصيات سياسية ودينية عربية وفلسطينية، انعطفوا عن قصد، أو استدراج، ليرموا بثقلهم الشعري ورمزيتهم المعنوية بين الناس في خدمة الصهيونية، حتى قبل قيام دولة إسرائيل على أنقاض ذكريات الفلسطينيين، ومنازلهم، وجثامين شهدائهم.

هنا نص الجزء الثاني من الحوار الذي سيتبعه جزء ثالث وأخير:

الرصافي وطه حسين والمشروع الصهيوني

*هل ترى أن القصيدة فعل نضالي؟

وكيف لا. الشاعر الفلسطيني كان يدرك حقوقه، وعلى وعي بها منذ بدايات القرن الماضي. يمكنني الحديث بإسهاب عن نضالات القصيدة الفلسطينية، وعن فضائح لشعراء عرب وشخصيات سياسية ودينية فلسطينية وعربية تورطت في مديح المندوب البريطاني السامي "الصهيوني"، والمشاركة في افتتاح الجامعة العبرية ومشاريع يهودية أخرى، من بينها مشاركةُ مفتي يافا في افتتاح مشروع لصناعة الخمور في "غوش عتصيون" قبل العام 1948، ونظمُ الشاعر العراقي الشهير معروف الرصافي قصيدةً يصف فيها ليلة لقائه بهربرت صموئيل بأنها كـ "ليلة القدر"، ومشاركة مفتي القدس ومطرانها الأكبر في وضع حجر الأساس للجامعة العبرية.

بداية الصراع لم تبدأ مع جيلنا، كانت هناك أجيال سابقة. قبل أعوام أصدرت بالتعاون مع "اليونسكو" كتاباً بعنوان "مطالع في أنطلوجيا الشعر الفلسطيني في ألف عام". بدأت من كشاجم الرملي الذي كان يلقب بـ"متنبي فلسطين" قبل ألف عام، وكان الهدف من هذا الكتاب الرد على مقولة الاحتلال الصهيوني بأن الشعب الفلسطيني غير حضاري، ولو كان يملك حضارةً لما ترك أرضه، وأننا لم نعرف الحضارة إلا بقدوم الحركة الصهيونية وقيامها بتجفيف مستنقعات الخضيرة وبدء العمران على طريقة هرتسل في كتابه "المدينة القديمة الجديدة". ويرمز هرتسل للفلسطيني في كتابه هذا بشخصية رشيد بيك، وهو إقطاعي يرى أن المشروع الصهيوني يجلب العمران والحضارة فيقدم أرضه للمشروع الصهيوني، وينسجم معه وينخرط فيه.

هذا نموذج للهوس والهستيريا الصهيونية التي ورّطت شعبَي واليهود في مجازر وحروب لم تنته، ويبدو أنها لن تنتهي إلا إذا أقر هذا الاحتلال الصهيوني العنصري الغاشم بحق تقرير المصير للشعب العربي الفلسطيني، وحق إقامة الدولة وعاصمتها القدس الشريف، وحق اللاجئين في العودة إلى ديارهم، وحقهم في السيطرة على مقدرات الوطن.

إن الكلمة الفلسطينية، وخاصة القصيدة، كانت في مواجهة دائمة مع المشروع الصهيوني منذ نشأته، وأشدد على وعي المثقف والمبدع الفلسطيني للمخططات الاستعمارية الصهيونية، ومثال ذلك رفض أحد شعراء فلسطين ما قاله الشاعر العراقي معروف الرصافي عند زيارته فلسطين في عشرينيات القرن الماضي، حيث أقيم حفل على شرفه في منزل رئيس بلدية القدس وكان من عائلة النشاشيبي في ذلك الوقت، وكان من بين المدعوين "المندوب السامي في حينه هربرت صموئيل اليهودي البريطاني الصهيوني"، وكاتب يهودي يدعى "يهودا بولا"، والذي ألقى خطاباً حول العلاقة "الأخوية" بين العرب واليهود، فيما قام صموئيل بدعوة الفلسطينيين وتشجيعهم على الانسجام مع المشروع الصهيوني.

كان الرصافي شاعراً وطنياً عظيماً، لكنه لم يدرك حقيقة اللعبة الصهيونية في فلسطين، فكتب قصيدة يقول فيها: "خطاب يهودا قد دعانا إلى الفكر، وذكرنا ما نحن منه على ذكر، لدى محفل بالقدس بالقوم حافل، تبوأه هربرت صموئيل في الصدر، فيا ليلة كادت وقد جلّ قدرها تكون على علاتها ليلة القدر".

أقول: "يا عيب الشوم"، لا سيما حين يكمل الرصافي قصيدته: "وإني أنا العربي للعُرب ينتمي قريباً من العبري منا إلى العبر".

وردّ شاعر فلسطيني على الرصافي بقصيدة قال فيها: أجل عابر الأردن (أي نهر الأردن) كان ابن عمنا، ولكننا نرتاب في عابر البحر (في إشارة إلى المهاجرين من المستوطنين).

الوعي لدى المثقف الفلسطيني وعي إنساني منذ البداية، فهذا الشاعر اعترف بأن علاقتنا مع اليهود في فلسطين علاقة أبناء العمومة، لكننا نخشى ونخاف هجرات المستوطنين الصهاينة من كل أنحاء العالم.

أما حكاية الجامعة العبرية فعند افتتاحها في القدس، تم دعوة العديد من المثقفين العرب للاحتفال، فأرسل طه حسين برقية تهنئة، وحضر احتفال وضع حجر الأساس للجامعة لطفي السيد الذي كان يعرف بـ "أستاذ الجيل" في مصر، بل إن السلطات البريطانية فرضت على مفتي القدس ومطران القدس المشاركة بوضع حجارة الأساس في الجامعة، فقال شاعر فلسطيني يصف ما يحدث: الله أكبر كل هذا في سبيل الجامعة، إن السياسة أوجدتها والسياسة خادعة، يا لورد (ويعني هربرت صموئيل) ما لومي عليك فأنت أصل الفاجعة، لومي على مصر تمد لنا أكفاً ساطعة، نشكو لكم منكم بني مصر ظروف الواقعة، أوهمتم الأعداء أنا أمة متقاطعة.

وقال شاعر فلسطيني آخر: أفتني بالله بالكعبة بالحجر الأسود بالركن الأغر، إن علت في عزها جامعة فوق رأس الطور تلهو بالعبر، وغدت جامعة عبرية ونهى الحاخام فيها وأمر، أيقول الشيخ والقس اتئد إن للمطران والمفتي حجر.

مفتي يافا في افتتاح مصنع خمور

*لكنها حكاية مجهولة ونادرة؟

قد تكون كذلك، وفي جعبتي الكثير. ذات مرة كان هناك حفل لافتتاح مصنع خمور في مستوطنة ريشون ليتسيون اليهودية، وضغطوا على مفتي يافا بالمشاركة، وشارك في النهاية في حمل سلة عنب ورميها في معصرة النبيذ، فكتب أحد الشعراء الفلسطينيين: "يا مفتي الإسلام تعصر خمرة عند اليهود وما هديت تهودا، أنكرت دين محمد ومحمداً اليوم تعصرها وتشربها غدا".

*وكيف ينظر القاسم إلى قصائد الفلسطينيين الأوائل، إن جاز تسميتهم بذلك؟

الشعراء الآباء كانوا على وعي تام بما يحدث، فأشعارهم كانت بمثابة حيوانات الغابة التي تستشعر الهزة الأرضية قبل وقوعها بالغريزة والحس، ولم تجامل قصائدهم لا الزعماء ولا الشيوخ ولا القساوسة، ولا غيرهم.

جيلنا ورث هذا الصراع. هذا الإحساس بالخطر الداهم، وامتص أيضاً ضربة النكبة، "ضربة البرق التي تنقض في صلب الطريق، تغمر العابر بالضوء ولو كان الحريق". احترقنا لكنا كنا ولا زلنا نضيء.

*وماذا عن شعر المقاومة.. هل اغتيل مع توقيع اتفاقية أوسلو؟

لست من أنصار عقلية المؤامرة، من مؤامرة على اللغة العربية، لكن في الأعوام الأخيرة نشأت بعض القضايا التي يجب أن تكون واضحة للجيل الجديد، كما كانت واضحة بالنسبة إلينا.

ظهر تيار يتحدث عن أن زمن شعر المقاومة وشعر القضية ولى، وأن لا لزوم ومبرر له، وأن الفنيات في القصيدة تتناقض مع السياسة. نحن كشعب عربي بالعموم، وكشعب فلسطيني على وجه الخصوص، لابد أن ندرك أن الثقافة هي خندقنا الأخير. ليس لدينا سلاح طيران، ولا دبابات، ولا نفط، ولا نحاس، ولا ذهب، ولا حديد، ليس لدى شعبنا إلا ثقافته، واعتزازه بتاريخه، وثقته بعدالة قضيته، فنحن ضحايا عدوان. نحن لسنا عنصريين ولسنا إرهابيين بل ضحايا العنصرية والإرهاب.

الغريب أنهم يحتلون أرضنا ويبنون المستوطنات عليها، وحين نطالب بحقوقنا كبشر يتهموننا بالإرهاب. نحن لا نطلب إلا بحقنا في العيش بحرية في بيوتنا، ونأمن على أهلنا ومأكلنا. نحن لا نطالب بضم سويسرا إلى فلسطين، نحن ضحايا ويسعون إلى تصويرنا على أننا جلادون.

نريد أن نعيش أحراراً

نحن لا نرتجي نجومية من وراء شعر المقاومة وشعر القضية. "حلّوا قضيتي وقضية شعبي وروحوا بستين داهية إنتو والشعر". نحن لم نصنع الكارثة لنكتب شعر مقاومة وشعر قضية. ما به شعر الحب والمرأة والطبيعة؟ لكن حين نسحق بحذاء جندي أجنبي لابد أن نصيح. قصيدتنا هي آهاتنا وهي وسيلتنا في رفض الدوس بالحذاء. "حلوا عن ضهرنا وما بدنا مجد الشعر ولا نجومية الشعر". ما نريده أن نعيش أحراراً كبقية شعوب الأرض. حين نتحرر في فلسطين، ونتخلص من آثار جريمة "سايكس بيكو"، لن يعود هناك مبرر لكتابة شعر المقاومة. حينها قد يكون عمري ربما 200 أو 220 سنة، وسأبحث آنذاك عن "صبية حلوة" لأكتب شعر الغزل فيها. شعر المقاومة والقضية ضرورة تاريخية، ما دام هناك احتلال وعنصرية وعنف وديكتاتوريات وطاغوت. شعر المقاومة ليس فقط ضد الاحتلال، بل ضد الغاطوت العربي، وضد التخلف والجهل، وضد ما أسميه "الجاهلية الجديدة". جميع أدباء التاريخ كانوا يتحدثون عن قضاياهم الوطنية، فلماذا تحلل لهم وتحرم علينا؟

ذات مرة هاجم ناقد فرنسي فيكتور هوغو لـ"كثرة حديثه عن الشعب"، فرد عليه هوغو بسؤال استنكاري مفاده: "وهل الشعب قافية رديئة؟!".

عن موقع "ذوات" الالكتروني التجريبي 

كاريكاتـــــير