في أقل من غمضة عين يسقط شقيقي محمد (21 عامًا) شهيدًا، هكذا يتحوّل أخي إلى حدوتة فلسطينية كباقي شهداء غزة، هل أكتبها حرفًا حرفًا؟ هل أغرقها بتفاصيل حياته منذ جاء إلى الحياة، أيّام كان مُدلّل البيت، أيّام كان صغيرنا وكبيرنا يُطلق عليه التدليعات المختلفة، حبًا للطفل الذي حمل معاني السعادة في اسمه المركب (محمد سعد)، اسم انتقاه له عمّي الأكبر نمر، تمنيًا منه أن يجلب الاسم السعادة له ولعائلته. وكبُر محمد، وقارب الاثني عشر عامًا لينشأ راغبًا بالحريّة والشهادة في سبيل الله والوطن، يدًا بيد بجانب شقيقنا مصطفى (1984)، لتغتال مصطفى آلة الموت الصهيونية بصاروخ يفتك بجسده ظهر يوم العاشر من حزيران 2008، ليلحق محمد بركب أخيه ليلة الرابع من آب 2014 شهيدًا بعد شوق سبعة أعوام لروح شقيقه، كأنّهما على ميعاد حقيقي، ليست كأيّ مواعيد أخرى!
هل أمضي في سرد حدوتهما؟ هل أمضي في التمعن في لقطات صورهما، في ملامح وجهيهما، هل أشرد إلى لحظاتهما الأخيرة في بيتنا القديم والجديد، في المدرسة، في الحارة، في المسجد، في الشارع، في بيت الجيران؟ وكيف تجعلهما الذكرى يلتحمان في كيان واحد، يصعب الحديث عن أحدهما من دون ذكر الآخر! فجأة تُصبح التفاصيل أكثر غباءً من اللازم برغم الهواء النظيف الذي تنعشنا به أي طيف لهما، فجأة تُصبح التفاصيل هُلامية جدًا، والكلام لا يُجدي، لا يُقدم ولا يؤخر، لا يفعل خيرًا، حتى أنّه لا يرثي أحدًا، مهما جاد بالمعنى واللغة، وحدها الغصّة في الحلق والقلب والدماغ تسألني: هل أمضي في تفاصيل حكايتي؟ أم أتوقف عن ترف الكتابة؟ وأذهب لارتشاف الشاي مع إخوتي الأحياء، قبل أن نصبح نحن الآخرين حدوتة فلسطينية تكتب نفسها بالدم مثل فعل شقيقي مصطفى ومحمد؟ كأنّ الفلسطينيين خلقوا ليلعبوا أدوار البطولة لحواديت خالدة، ترويها فلذات قلوب الأمهات في كل بقعة على الأرض، وليس غزة الجريحة وحدها.
























