شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الجمعة 02 اكتوبر 2026م02:15 بتوقيت القدس

سميح القاسم: هذا هو لهبه، وهذه هي ناره.

22 اعسطس 2014 - 08:45
زكريا محمد
شبكة نوى، فلسطينيات:

كانت أول مرة أسمع فيها باسم سميح القاسم بعيد حرب حزيران 1967 مباشرة. ربما بعد شهرين او ثلاثة من حزيران الهزيمة. كنت في 16 أو 17 من عمري، عندما أبصرت في ظهيرة احد الأيام (ريان ابو بيح) وقد وضع كوعيه على طاولة دكانه قرب الجامع، وأخذ يقرأ فقرات من كتاب بين يديه، مترنما بصوت عال.

وكان الكتاب هو مجموعة (دمي على كفِّي) لسميح القاسم. وكان المجموعة قد صدر عن مطبعة الحكيم في الناصرة في السنة نفسها، سنة الهزيمة، هزيمة عام 1967. وما زلت أذكر طراطيش الدم في اللوحة على غلاف الكتاب. ذلك أنني أخذت الكتاب من بين يدي ريان، وقرأت عددا من قصائده.

لا بد ان احدا كان أحضر المجموعة من (كفر قاسم). فمنذ أن كسرت (إسرائيل) باحتلالها الحدود بين الضفة ومناطق 1948، مستولية على ما تبقى من فلسطين، انفتحت الطريق من جديد، وتعبدت، بين قريتي (الزاوية) وقرية (كفر قاسم). كانت الطريق قد اغلقت بين القريتين عام 1948. غير أننا سمعنا من بيوتنا صراخ الناس وهم يذبحون فيها في عام 1956. أنا لم أسمع وقتها، لكن الناس الكبار في حينه سمعوا الصراخ المر لمن ذبحوا.

بدأ الناس بالعبور في الطريق الذي أخذ يتعبد من جديد. كان أهل كفر قاسم المقيمون في قريتنا أول من فعل ذلك، ثم تبعهم الجميع. وأذكر أن والدي حمل الحمار بسحارتي لوز، وأرسلني إلى هناك كي أبيع اللوز. وقد بعته. كان عندنا حقل كبير من اللوز، لكن لم يبق شيء منه الآن. فاللوز شجر لا يعمر طويلا. ومن هناك، من كفر قاسم، جاءت نسخة (دمي على كفي)، التي سمعت في ذلك اليوم ريان يقرأ منها.

قرأ ريان من المجموعة كلاما بدا غريبا ومفاجئا لأهل الذين تجمعوا حوله. لم يكن بالضبط مثل الشعر الذي يعرفونه، او يتوقعونه. وقد كان أيضا غريبا بشكل ما بالنسبة لي. لم أكن بعد قد تعرفت على الشعر الحديث، شعر التفعيلة، إلا من خلال نصوص قليلة في المنهاج الدرسي. وكانت نصوصا قريبة في المزاج من النصوص القديمة. أذكر على الأقل شيئا من نص واحد منها أظن أنه كان للشاعر السوداني لمحيي الدين فارس: (وحدي هنا ما زلت أصعد، والليل تمثال مصفد، هجرته آلهة القرون، رؤى قياصره القديمة).

بدا لي كلام القاسم جديدا، لكنه غير متماسك. ثمة خطأ ما فيه، ضعف ما. هذا هو الانطباع الذي في رأسي عن تلك اللحظات. ولعل الخطأ كان في ذوقي أنا. ثم صار سميح القاسم بعد ذلك بسنتين على كل لسان، بعد أن كتب عنه وعن محمود درويش غسان كنفاني في كتابه عن شعر المقاومة.

 

والآن، وبعد هذا الزمن الطويل يرحل سميح، ويتركنا كي نتذكر، وكي نعيد ترتيب الأمور في أذهاننا. الموت فرصة مناسبة لإعادة ترتيب الأمور، لإعادة الحساب. الموت هو القاضي الكبير، بل هو شيخ القضاة الذي يأمرنا بان نعيد استجلاء الأمور والقضايا وحسابها من جديد.

ولا يمكن الشك في هذه القضية: كان سميح القاسم جزءا من وعي امة بكاملها في نهاية الستينات، وطوال السبعينات على الأقل. لم يكن جزءا من وعي فلسطين فقط، بل جزءا من وعي امة بكاملها. ولا يمكن الاستخفاف بمن يكون هكذا أبدا. من يكون جزءا من وعي امة فهو جزء من ذاتي، وجزء من وعيي لهذه الذات، مثله مثل محمود درويش.

بالطبع، فتحنا نحن من جئنا بعد سميح طرقنا وآفاقنا. كانت طرقا لا تلتقي مع طرق سميح إلا نادرا. وعلى عكس درويش، الذي ظل حتى النفس الأخير يحاول أن يكتشف طرقا جديدة، أصر سميح على طرقه. بل لعله توقف عن السير في الممرات الخاصة والواعدة التي فتحها يوما، لكي يتمسك بالممرات الأكثر إلفة وعادية. لم تعد لديه طاقة على استكشاف طرق جديدة. رضي عن نفسه، ورضيت عنه. في حين ظل درويش غير راض أبدا. كان يذهب مثل لص إلى نصوص أكثر الشعراء شبابا ويقرأها. كان يشعر بكل جيل يفقس من الشعراء، ويحس بتهديده. اما سميح فلم يكن يحس بأي تهديد. كان مؤمنا بذاته وراضيا عنها.

لكن أنلومه على ذلك؟ أليس على كل واحد أن يرضى في لحظة من اللحظات؟ لست أدري.

على كل حال، فقد رحل سميح عنا، تاركا لنا تراثا ضخما مكونا من عشرات المجموعات. وربما كان علينا الآن نحن أن ننقي هذه المجموعات. ان نستخرج ذهبها. فلن تظهر نبوءة سميح على حقيقتها إلا بجهدنا. علينا ان نصنع من كل هذه المجموعات مختارات تساوي ثلاثة او أربعة مجموعات، ونقول: هذا هو سميح القاسم الحقيقي. هذا هو لهبه. وهذه هي ناره.

كاريكاتـــــير