شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الجمعة 02 اكتوبر 2026م02:15 بتوقيت القدس

عن بدر محاسنة وسميح القاسم

22 اعسطس 2014 - 08:20
الدكتور عامر بدران
شبكة نوى، فلسطينيات:

"كل ما هو غير مرئي في لوحاتي، هو بالضرورة غير موجود"، هذا ما قاله لي الفنان المبدع والصديق الذكي بدر محاسنة، في معرض نقاش قصير بيني وبينه عن الفن. 

نقاش؟!. قد تبدو هذه الكلمة كبيرة لتوصيف ما حدث. ففي الحقيقة كنت مستمعاً في أغلب الوقت وكان بدر يتحدث. فكل ما فعلته عند بداية الحديث، هو إبداء إعجابي الشديد بعمله، ثم اعتذرت له بأنني لا أملك من مصطلحات النقد مصطلحاً واحداً، وبالتالي فلا أستطيع وصف انطباعي عن الأعمال الفنية عموماً إلا بكلمتين: جميل أو قبيح.
ثم بدأ النقاش. النقاش الذي كانت نتيجته أن مشكلة الفن الأساسية، هي نقده وتقييمه بمصطلحات ومفاهيم غير مصطلحات ومفاهيم علم الجمال. فنحن نقيّم اللوحة بخلفيتنا عن علم الإجتماع، أو بمعرفتنا عن علم النفس، أو بمصطلحاتنا الدينية. لكننا لا نقيّمها بقيمتها الجمالية. نحن لا نملك أدنى فكرة عن علم الجمال، ولذا ترانا نستعين بالفلسفة لنرى رمزاً هنا أو رمزاً هناك. ونستعين باللاهوت لنفسّر قصد الفنان من هذه الشمس مثلاً. ونستعين بالتاريخ لنعقد المقارنات. والضحية الأولى والأخيرة هي الجمالية العالية في اللوحة، والتي لا ينتبه لها أحد.
أعجبني هذا الكلام. أعجبني وحلّ لي لغزاً كبيراً كان يشغلني دوماً حول عدم فهمي للفن التشكيلي.
وتفهمت هذا الكلام أيضاً. تفهمته لسبب رئيسي، وهو أن ثقافتنا نحن العرب ليست ثقافة بصرية بالأساس، بل ثقافة سمعية نمت وترعرعت منذ عصر المعلقات وحتى الآن. نحن شعوب تقول الشعر وتستمع إليه. شعوب تطرب للخطب وتقدس اللغة.
هل نحن فعلاً كذلك؟ يا إلهي، يا إلهي.
سأطرح سؤالأ غريباً وأحاول الإجابة عليه لتوضيح فكرتي: لو أنني ذهبت إلى طبيب لعلاج ألم في معدتي، وعالجني على أكمل وجه وشفيت تماماً. ثم سألتني امي: هل طبيبك كفؤ؟ فأجبتها: إنه قصير للأسف. ألا أبدو مغفلاً وغبياً في هذه الحالة؟ بالمناسبة، أبدو مغفلاً وغبياً أيضاً لو كان جوابي: إنه طويل وجميل.
وهذا ما حصل مع سميح بالضبط. يعايره الجهلاء بأنه درزي أو شيوعي أو يحمل الهوية الإسرائيلية. لكنهم جهلاء لا نلومهم. المصيبة ليست فيهم. بل هي فيما يقوله ما يفترض أنهم مثقفون وشعراء. إنه برأيهم الشاعر المناضل. القائد التقدمي. الفلسطيني الصامد، وما إلى ذلك من توصيفات لا تقترب أبداً من تجربته الشعرية. بل على العكس، هي تقتل تلك التجربة عن قصد أو غباء.
لكن لماذا يفعلون ذلك؟ إنهم يفعلونه لسببين: الأول ، هو عدم قناعتهم بالشعر مجرداً. فلا بد أن يصاحب هذا المنتج نضال ما. أو صمود ما. وكأن لا شعراء في سويسرا مثلاً.
أما الثاني، فهو نقد الأشياء بغير مصطلحاتها كما يقول صديقي بدر. إنهم يجهلون ما هو الشعر، لكنهم يعرفون ما هي التقدمية، إذن فليتكلموا عنها.
أيها الشعراء، من لا يتعب على منتجه لن يحترمه بالضرورة. من لا يلد القصيدة كما تلد امرأة وليدها، لن يرعى أولاد الاخرين، وسيقتلهم إن تمكن من ذلك.
سميح كان شاعراً وكفى. وأنا حزين لأننا نقصنا واحداً.

كاريكاتـــــير