شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الجمعة 02 اكتوبر 2026م02:15 بتوقيت القدس

هنا غزة..

امام المرآة في لحظة غير عادية

21 اعسطس 2014 - 16:23
زينب الغنيمي
شبكة نوى، فلسطينيات:

 

تمر بسرعة من أمام المرآة في طريقها لجمع الملابس المبعثرة  للزوج والأولاد ، ربما بعد ساعة سيكون موعد عودة التيار الكهربائي لذا يجب تحضير الغسّالة لكسب الوقت، مرة أخرى تحركت أمام المرآة تذرع الغرفة جيئة وذهابا، هذه المرة اصطدمت عيناها بالمرآة فتوقفت أمامها، تتأملها تلك المرأة التي هي عليها، حدّقت لبرهة ثم أعادت التحديق ، هل هذه أنا، وجه نبت فيه شعر الحاجبين وأعلى وأسفل الفم ، لبرهة استعادت ذاكرتها جملة سخيفة غضبت كثيرا عندما سمعتها من أحدهم "نساء غزة بشنب وذقن" ، دققت في ملامحها أكثر ، شعر غير مرتب ، ملابس كثيفة رغم حرّ الصيف فقد اعتادت منذ أكثر من شهر ومع بداية العدوان أن تنام بملابس الخروج استعدادا للهرب في أي لحظة من خطر ما قد يداهم منزلهم ، وحسب رأي أختها الأكبر "عشان إذا متنا نموت مستورين" .

حدّثت نفسها أمام مرآتها ، منذ متى لم تستمتع بالشعور بالتحرّر من كل ما علق بها من آثار الحرب ، كم مرة اغتسلت خلال أسبوعين ، عكست المرآة علاقة الثياب هاهو قميص نومها الأزرق في مكانه ولكنها رغم أنها تفضله على غيره من ملابس نومها لم تجرؤ على ارتدائه، على طاولة المرآة كل أدوات زينتها الشخصية يعلوها الغبار لأن شبابيك الغرفة دائما مفتوحة خشية تكسّر الزجاج من قصف قريب، تحسّست وجهها المتعرّق ، انتبهت لخشونة يديها فمنذ زمن لا تذكر لم تضع عليهما كريما مرطبا بعد الانتهاء من أعمالها المنزلية ، نظرت إليهما وتحققت لم ازدادت خشونتهما ، نعم فخلال شهر وبسبب انقطاع الكهرباء كانت تغسل الثياب بيديها .

حدّقت في مرآتها وتنهدت وشعرت بمرارة في فمها ، فقد شعرت بحنين وتحركت بداخلها عاطفة ناعمة وهي تنظر لانعكاس مفرش سريرها الذي لازال على نفس الترتيب منذ شهر وأكثر، لم تتمكن أن تستمتع بالراحة في فراشها، فجميعهم هي وزوجها وأربعة أبنائها وبناتها متقاربي الأعمار يتدحرجون بجوار بعضهم في مساحة ضيقة على فراش أرضي في الممر الضيق وسط البيت بعيدا عن الحوائط المكشوفة والشبابيك خوفا من أن تنالهم شظية ما أو بعضا من صاروخ طائش، تأملت نفسها وسمحت أن يعلو قليلا صوتا من داخلها نحو أذنها وعيناها لازالتا محدقتان في المرآة ، كم تشعر برغبة في لحظة حنان واحتضان خفيف وتربيتة على كتفها ، اشتاقت لنظرة حنونة من زوجها ، اشتاقت لجلسة عائلية حميمة ، قبل أسبوع كان عيد ميلاد ابنتها مرّ دون احتفال وقبل ليلة فقط كانت ذكرى زواجها قبل اثني عشر عاما ، مرّ وكل العائلة كانت مثل كومة قش فالقصف كان شديدا وكانت تخشى أن يحترق هذا القش في جحيم هذه الحرب الملعونة.

ابتعدت قليلا عن المرآة تستعجل حركتها فقد حضرت حقيبة الملابس اليدوية بغيار لكل فرد في عائلتها الصغيرة، وبدأت تملأ حقيبتها ببعض الأوراق الهامة ، هويات، جوازات سفر، شهادات الميلاد ، عقد الزواج ، عقد ملكية الشقة ، صورة عن ورقة قرض البنك الذي لم يتم تسديده فقد سحبته على راتبها من أجل استكمال تشطيب البيت، دارت مثل نحلة تذكّرت، هنا أو هناك ، صوت زوجها يستعجلها ، وابنتها الصغرى تسألها عن عروستها ، لقد كانت هنا أم هنا ، إسوارة وحيدة بقيت من آثار حليّها الذي باعته قطعة قطعة بسبب استكمال أثاث المنزل ، نعم تذكّرت إنها في الصندوق الصغير على طاولة مرآتها ، عادت نحو المرآة تفتح الصندوق وتمد يدها لأخذ الإسوارة ، اصطدمت عيناها مجددا في المرآة وأطالت التحديق ، عادت الصورة التي تخيلتها قبل قليل ، احمر وجهها بسبب السخونة ، خجلت من نفسها ، لماذا سمحت لهواجس نفسها أن تطفو على سطح مرآتها ، إن التوقيت غير مناسب لمثل هذه الأفكار ، ماذا يعني شعر غير مرتب وحواجب كثيفة ووجه باهت ويدان متقشفتان ، أنّبت نفسها ولامت مرآتها وخشيت أن تكون أحساسيها غير عادية ، لا ،لا ، كيف لها ن تفكّر بهذه الطريقة  هناك قتلى وهناك جرحى ، عليها أن تخجل فبيتها لازال على حاله وعائلتها الصغيرة لازالت بخير، وعليها أن تتعجل نفسها لتضع الغسيل في الغسالة ، وتستكمل تحضير حقيبتها ، زوجها يذكرها بأوراق مهمة تخص عمله ، صوته يأتي من بعيد هيا بسرعة علينا الخروج الآن الشقة في الأعلى قيل أنها مستهدفة ، علينا الخروج بسرعة ، ردت بصوت أتى من بئر عميق أنا قادمة ، قبل أن تلتفت لمعت مرآتها بوهج شديد ، شعرت بشيء دافئ انبثق من رأسها لطّخ مرآتها بلون أحمر لثوان محدودة حاولت أن تبقى واقفة ولكن تلقاها السرير الذي لم تلجأ إليه منذ أكثر من شهر ، ابتعدت الأصوات لم تعد تسمعها ، انتهت الثواني ولم تعد هواجسها موجودة فلم يعد هناك مرآة ولا إمرأة .

 *مديرة مركز الأبحاث والاستشارات القانونية للمرأة- غزة

كاريكاتـــــير