بقلم: سمير حباشنة
في زمن رديء تعلو به المذهبية البشعة على الدين السمح، والهويات الفرعية البائسة على الانتماء الوطني، والتمترس القطري على حساب العروبة....
في زمن رديء يغيب به دور الدولة ويبرز دور المليشيات، وتكبر التناقضات الثانوية على حساب التناقض الرئيسي.....
في هذا الزمن، العرب بحاجة لأن يعودوا الى رشدهم، والمرحلة تنتظر قائدًا او قادة تاريخيين، يعيدون الأمور الى نصابها....
وهذه إشارات مقترحة على الطريق .....
(1)
الإشارة الأولى/ فلسطينية
ما من شك بأن الأشقاء الفلسطينيين تصدوا ببسالة للعدوان الغاشم. وبرغم كثرة الشهداء والضحايا والتدمير الحاقد لغزة، فان الشعب الفلسطيني تمكّن أن يخلق توازناً نسبياً في معطيات الصراع، توازناً في الهلع والرعب، فالإسرائيليون ولأسابيع في الملاجئ، حيث تبطّأت عجلة الاقتصاد لديهم، كما توقفت السياحة وأغلقت المطارات، وهذا بحد ذاته انتصار يسجّل، بل وعليه أن يدفع قادة إسرائيل لأن يفهموا بأن آلتهم العسكرية العملاقة والدعم الخارجي اللامحدود، لن يدفع الشعب العربي الفلسطيني لأن يتخلى عن حقوقه، وسوف يبتدع في كل مرحلة، أساليب مقاومة جديدة تُبقي الصراع حيا، الى أن "يأتي الله أمراً كان مفعولا.."
وما من شك ان المصالحة الوطنية الفلسطينية قد أثبتت جدواها ابان العدوان، والمطلوب اليوم ان تترسخ تلك المصالحة، وان تُستكمل عملية اعادة اللُحمة الى الجسم الفلسطيني على مستوى الفصائل وعلى مستوى السلطة الفلسطينية في اطار منظمة التحرير.
الا أنّ علينا القول بأنّ "حماس" لا بد أن تتذكر بأنّ الشعب الفلسطيني يعيش في مرحلة مخاض تحرر وطني، وان حركات التحرر الوطني العادلة تنأى بنفسها عن الدخول في الصراعات الإقليمية والدولية، وتبقى فوق التناقضات. وبالتالي فانّه لخطأ جسيم بأن تحشر "حماس" نفسها في تناقضات الساحة المصرية او أية ساحة عربية، فمن مصلحة الشعب الفلسطيني وقضيته أن يبقى على وفاق مع كل الأنظمة العربية لأنه بحاجة الى دعم وتعاطف الجميع، فكيف اذا كان الأمر يتعلق بمصر بثقلها السياسي والمعنوي والعسكري والجغرافي وأهميتها التاريخية بالنسبة للعرب والقضية الفلسطينية ؟!
وكلنا نتذكر ذلك الدعم منقطع النظير من كل العرب على اختلاف تلاوينهم السياسية وتناقضاتهم للشعب الجزائري، ذلك لأن الجزائر في مرحلة تحررها الوطني لم تكن طرفاً في الصراعات العربية.
(2)
الإشارة الثانية / مصرية
مصر العربية التي ننتظر منها الكثير، حيث لا سلام ولا حرب ولا نماء ولا أمن عربيا بدون مصر، بل وبدون صدارة مصر. مصر اليوم مطالبة أن تميّز بين موقفها من الشعب الفلسطيني والتي كانت على الدوام الى جانبه، وبين خلافها مع حركة الإخوان المسلمين و"حماس" باعتبارها جزءا من تلك الحركة. فلا يجوز أن تؤخذ غزة وشعبها بجريرة الموقف من الاخوان المسلمين وحماس. صحيح أن مصر اليوم تستعيد ألقها ودورها العربي والفلسطيني، حيث كان لها الدور الأبرز في العدوان الأخير، الا أننا نتمنى ان تقف مصر كما عودتنا بصلابة الى جانب الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة... والى جانب مطالبه المحقّة بفك حصار إسرائيل عن غزة وإعادة بناء ما خرّبه العدوان.
(3)
الإشارة الثالثة / عراقية
أثبتت الأحداث أن انقسام العراق المذهبي/العرقي والمحاصصة السياسية لم يكن له من جدوى، بل قاد العراق الى أتون حرب لا تتوقف منذ الغزو الأميركي، وقد ادى ذلك الى إضعاف الدولة وتمزقها وسهولة انتصار قوى التشدد والظلام التي تمكنت من التهام محافظات بأكملها، بل وتشكل تهديدا جديا لوجود العراق برمته بما فيه إقليم كردستان، الذي كان ولفترة قريبة يعتقد انه بمنأى عن المشكلة العراقية. لذا وحتى يتمكن العراق من إعادة بنائه الموحد القوي الناهض المستقر، لابد لقواه الحية أن تذهب بإرادة صلبة وصادقة لوضع برنامج وطني توافقي عريض يجمع كل العراقيين بأديانهم ومذاهبهم وطوائفهم ومناطقهم وتوجهاتهم السياسية، ويشّرع الى وثيقة تاريخية تمتلك ارادة التحقق على أرض الواقع. العراقيون بحاجة الى معاهدة شبيه بمعاهدة “ويست فاليا” التي ابرمها الاوروبيون في القرن السابع عشر، فانهوا بموجبها حروبهم الطائفية، وارتقوا بالدين فوق التناقضات ليكون عامل جمع لا عامل فرقة... فكانت تلك المعاهدة النقطة المفصلية في نهوض أوروبا المعاصرة .
وكمرحلة انتقالية فانني اقترح على الرئيس المكلف دولة السيد حامد العبادي بأن يسعى الى تشكيل حكومة بعيدة عن المحاصصة السياسية تضم فريقا مؤمنا بوحدة ارض وشعب العراق، يتّسم بانه “فوق طائفي”، كفؤ وذو سجل نظيف بعيد عن الفساد، لتمهد هذه الحكومة الطريق نحو ما ذكر أعلاه.
الساسة العراقيون أمام مسؤولية تاريخية في أن يكبروا على جراحات وخلافات العراق ويعيدوا لتلك الدولة التي نعرفها ونعوّل عليها مكانتها الهامة كظهير للعرب جميعا.
(4)
الاشارة الرابعة/ سورية
أما الاخوة في الشام وبعد الحرب الضروس التي أسالت الدم العربي الزكي أنهارا، وبأيد عربية، فان عليهم، وبعد أن بان الخيط الأبيض من الاسود، بأن يعلموا أن مصلحة سورية اليوم تكمن بضرورة وقف فوري للحرب بين الأشقاء، وان لا جدوى ولا نتائج من استمرار تلك الحرب العبثية. وان يجلسوا معا على مائدة الحوار، حكومة ومعارضة وطنية، وليتفقوا على مشروع يحفظ وحدة ارض وشعب سورية، وان يضعوا أساسات لبناء دولة حرة وطنية ديمقراطية تتسع للجميع بلا إقصاء ولا تهميش، وأن يوحدوا الجهود لطرد كل الغرباء الذين زادوا الطين بلة وعاثوا بسورية المزيد من القتل والدمار.
ونعتقد ان الوقت مُواتٍ لهكذا خطوه تاريخية، وخصوصا بعد ان أحس العالم بخطورة قوى التشدد مثل "داعش" و"النصرة" واصبح يمايز بين قوى الظلام وبين المطالب المحقة للمعارضة، وخصوصا وبعد أن تقدمت المعارضة رسميا بطلب الى مجلس الأمن بضرورة التدخل لطرد قوى الإرهاب من سورية باعتبارها ليست جزءا من المعارضة الوطنية السورية.
(5)
الإشارة الخامسة/عربية
لقد ثبت بأن العدو الحقيقي للحياة وللتقدم العربي هو الإرهاب والتشدد الديني والمذهبي بغض النظر عن مصدره وتطلعاته، لذا، ولإعادة اللحمة لنسيجنا العرقي والاجتماعي والاقتصادي والأمني كعرب، فانه لا بد من تنسيق واسع بين دول الخليج العربي والعراق وسورية والأردن ومصر وليبيا واليمن، بل وكل العرب، من أجل مقاومة قوى الظلام والإرهاب التي تقتل باسم الإسلام !! وتدمر تحت شعار “لا اله الا الله “ !!! فالإسلام منظومة قيم عليا وتسامح وقبول بالآخر، والإسلام بناء لا تدمير، ونهضة لا نكوص، ووحدة لا تجزئة، وبالتالي فان علينا درء خطر التشدد هذا، وان نسارع الى إعادة إحياء مفاهيم ومؤسسات الأمن القومي العربي لتضطلع بهذه المهمة التاريخية والجليلة. بل وعلى العرب أن يعيدوا رسم أولويات استخدام الثروة العربية للنهوض بمجتمعاتنا ودحر خطر الفقر والبطالة والمرض والأمية، لانها آفات تجعل من الانسان العربي وبالذات الشباب نهبا ومادة سهلة للاستيعاب من تلك القوى الظلامية على اختلاف أشكالها ومسمياتها وأماكن وجودها.
وبعد.... العرب مطالبون بكل ذلك والأمل معقود على قيادات وعلى مفكرين وعلى دول قادرة على أن تطلق صرخة مدويّة عملية تعيد للأمة استقرارها وأمنها كمقدمة لاستئناف دورنا كعرب مع الحضارة والتقدم، وتغليب التناقضات الرئيسية والتوجه نحو حسم الصراعات على اختلافها لجهة الأمة ومصالحها.
























