شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الجمعة 02 اكتوبر 2026م02:15 بتوقيت القدس

الحوار الاخير لسميح القاسم

الاحتلال (الاسرائيلي) عابر

20 اعسطس 2014 - 04:33
شبكة نوى، فلسطينيات:

 

رام الله - حاوره: يوسف الشايب
لم يكن لقاءً عادياً ذلك الذي جمعني بالشاعر الفلسطيني سميح القاسم، على "فنجان قهوة" مسائي ساخن ووجه خلاله باسئلة مستفزة أحياناً، ما دفع صاحب "منتصب القامة أمضي" أن يفتح لـ"ذوات" خزائن ذاكرته على مصراعيها، من دون أن يتخلى عن غضبه في مواجهة حملات التشكيك بمواقفه الوطنية، مشدداً على أن الاحتلال الإسرائيلي عابر، ومؤكداً بنرجسيته المحببة: أنا الناطق غير الرسمي باسم الأمة العربية كلها، وكذلك الأمة الإسلامية!
تحدث القاسم في اللقاء في محاور ساخنة، بعضها طازج وبعضها استعاده من أروقة الذاكرة التي لربما لا تقل "طزاجة" عن حاضر عبثي، فتناول إشاعات إلقائه قصيدة رثاء لرئيس الوزراء الإسرائيلي السابق إسحق رابين، وعن الحصار الذي تفرضه دول عربية عدة عليه وعلى كل مبدعي الأراضي الفلسطينية المحتلة في العام 1948 لمجرد قرار والديه ومن ثم هو البقاء في أرضه.
كما تحدث عن دور المثقف الفلسطيني تاريخياً في التعاطي مع هموم شعبه وقضاياه، بل سرد حكايات نادرة تدين شعراء عرباً كباراً وشخصيات سياسية ودينية عربية وفلسطينية، انعطفوا عن قصد، أو استدراج، ليرموا بثقلهم الشعري ورمزيتهم المعنوية بين الناس في خدمة الصهيونية، قبل حتى قيام دولة إسرائيل على أنقاض ذكريات الفلسطينيين، ومنازلهم، وجثامين شهدائهم.
كما لم يغفل القاسم عن الحديث حول الشعر العربي وخصوصيته، والدخول في جدل "قصيدة الحداثة"، مؤكداً أن هناك شعراء عرباً تفوقوا بحداثتهم على أكبر رموز الحداثة الشعرية في أوروبا.
في هذا الحوار الحميم والخاص (الذي أجري قبل نحو شهرين من رحيله، واحتفظت به "ذوات" من أجل تدشين مرحلة البث الرسمي) يغالب الشاعر الفلسطيني مرضه، ويثير العديد من القضايا، ويتوقف عند العديد من المحطات التي لم يتطرق لها القاسم في سني عمره المديدة من قبل..
*لنبدأ بسؤال حول االإشاعات والهجمة التحريضية التي استهدفتك بالحديث عن إلقائك قصيدة رثاء لرئيس الوزراء الإسرائيلي الراحل إسحق رابين، وعند قبره قبل أعوام، وهي قضية كتب فيها الكثير وكبرت فيها الإشاعات التي وصلت إلى درجة التخوين؟
- نحن للأسف الشديد أحياناً نستمع إلى إشاعة ونتبناها ونعيشها ونكررها.. الحديث عن نظمي قصيدة رثاء لرابين يذكّرني بطرفة عن مرشحيْن في الكونغرس قام أحدهما بنشر إشاعة مفادها أن شقيقة خصمه زانية، فسخر منه الخصم بأن لا شقيقات له، فرد الأول إنه حتى تثبت للعالم بأن لا شقيقات لك يكون انقضى موعد الانتخابات وخسرتها أنت.
هذه إشاعة.. على حد علمي ذكر رابين في الشعر العربي مرة واحدة في قصيدتي "يوم الأرض" في العام 1976 .. قلت حينها "هل أوقفت الشمس على أسوار أريحا .. أرضيت الرب القاتل لا نعلم .. لكنا نعلم أن الشمس تسير على أعناق الشهداء .. من بحر البقر إلى سخنين ومن المغرب لفلسطين فاسمع يا يوشع واسمع يا رابين".
الذي حصل وشُوه بهذا الشكل البذيء وتم الإدعاء زوراً وبهتاناً بأنني رثيت رابين، هو باختصار أنه عقدت ندوة عن العنف السياسي والأدب، وطلب مني أن أحاور بعض الشعراء اليهود .. بالمناسبة قلتها مليون مرة أنا أحاور الشيطان شخصياً في سبيل قضيتي .. نحن لسنا عنصريين ولسنا معادين لليهود كونهم يهوداً، فهناك يهود تقدميون أشرف من سماسرة وعملاء عرب .. أنا أحاور الجميع .. لقد سبق وحاورت "كهانا" .. قضيتي عادلة وأنا قادر على الدفاع عنها، لذلك حين أدعى لحوار كهذا في ذكرى مقتل رابين، مكاني الطبيعي أن أكون هناك لأنقل صوتنا جميعاً .. صوت شعب وأمة .. لم تعينّي الجامعة العربية .. وأنا، لمن أحب أو لم يحب، الناطق غير الرسمي باسم الأمة العربية كلها، وباسم الأمة الإسلامية كلها .. هذه الإشاعات كلام صهيوني، فلا مصلحة لأحد بتشويه سمعتي أو سمعة محمود درويش أو غيرنا إلا الحركة الصهيونية الهادفة إلى تشويه رموز أدب المقاومة، وللأسف نجد من يكرر هذه الاتهامات وذلك لغياب "الثقة بالنفس".
أبو محمد الزرقاوي
*وماذا عن اتهامك بالتطبيع لإحيائك أمسية شعرية في دولة عربية مجاورة؟
- أنت تعني زيارتي للأردن .. في الحقيقة استهجنت، ولا أزال، مقالاً لصحافي أردني يصف زيارتي إلى الأردن وإلقائي الشعر فيها بالتطبيع، خاصة أنني لم أحضر باسم دولة إسرائيل أو حكومة إسرائيل .. مسقط رأسي في الزرقاء، وفي الأردن يسمونني "أبو محمد الزرقاوي" .. أي تطبيع هذا حين أقابل شعبي في الأردن.
هناك من يعايرنا بأننا بقينا في أوطاننا .. أستغرب هذا المنطق الأعوج .. نحن نقاوم ببقائنا وصمودنا على أرضنا أكثر بكثير ممن يزاودون علينا .. كنا في العام 1948 لا نزيد على 150 ألفاً، نحن اليوم مليون ونصف المليون فلسطيني في ما يسمونه الداخل .. يعايروننا أننا نحمل جواز سفر إسرائيلياً .. والله إذا خُيرت بين أن أترك الوطن وبين أن أُدمغ بنجمة داود على جبيني أو على مؤخرتي فليدمغوني .. لن أترك الوطن، ولو كان بقائي يتطلب مني حمل جواز سفر إسرائيلي وهوية إسرائيلية سأحملهما.
إنهم يعايروننا نحن .. "والله عيب" .. من أقامت إسرائيل هي جامعة الدول العربية، ومن حملتني جواز سفر إسرائيلياً هي جامعة الدول العربية وجيوشها الجرارة .. ثابتون في وطننا لا يهمنا جواز السفر، ولا يهمنا إن تحدثنا العبرية مع العربية .. لكنني لن أرحل عن وطني.. أنا على قناعة تامة بأن إسرائيل لا تكترث بالجيش المصري ولا بالجيش السوري ولا بصواريخ حزب الله، همّ إسرائيل الأكبر هو كم طفلاً فلسطيني لدينا يولد.. إنهم مرعوبون ممن يسمونه القنبلة البيولوجية التي هي السلاح السري لشعبنا .. باختصار شديد: "ما حدا يزاود علينا .. ما ولدته إمه اللي بدو يزاود علينا من المحيط إلى الخليج" .. بقينا في أرضنا ودفعنا ثمن بقائنا .. قدمنا الشهداء، وذبحنا، وسجنّا، وهددنا في حياتنا وأرزاقنا، وصودرت أراضينا، وهدمت منازلنا ويأتون ويزايدون علينا .. "عيب .. والله عيب".
الشتات الفسطيني عابر
*قال درويش ذات يوم عن الصهاينة المحتلين "عابرون في كلام عابر" .. هل توافقه الرأي؟
- بكل تأكيد ... مرحلة الاحتلال وما يرافقها من شتات فلسطيني عابرةٌ، لأن القصيدة تنبأت بذلك .. تشتتنا بين رام الله والرامة في الجليل أمر طبيعي في هذه المرحلة غير الطبيعية .. هذه المرحلة غير الطبيعية مرحلة عابرة لأن القصيدة الفلسطينية قالت لها ستكونين لها مرحلة عابرة .. هذا ما قالته القصيدة، والقصيدة لا تشتغل بالتكتيك ولا بالخرائط ولا تفاوض .. القصيدة تقول حلمها وجموحها بكل حرية، ولذلك فليس هناك شيء أكثر صدقاً من "القصيدة الصادقة".
يوم ودعنا قيادة المنظمة في تونس، قلت لأهل تونس "جايين نأخد البنت منظمة التحرير لعريسها الوطن" .. وقلت بأن الدولة الفلسطينية قادمة، فرد عليّ أحدهم بأنني أهذي وبأن ما أقوله خيال شعراء، فأكدت بأنه ليس على الأرض أكثر واقعية من خيال الشعراء .. وخيال الشعراء يقول بأن الاحتلال زائل لأنه باطل .. الاحتلال يتعارض مع المنطق التاريخي ومع الوعي الإنساني ومع الأديان والشرائع السماوية والأرضية، ومع مهب رياح العصر الذي يرفض الاحتلال والعنصرية ونهب الأرض وبناء البيوت عليها للوافدين من كل أنحاء الأرض، ويرفض ما يسمى "الاستيطان"، وهو استعمار كولونيالي بكل معنى الكلمة .. هذا ما قالته القصيدة الفلسطينية منذ بداية الصراع.

عن موقع "ذوات" الالكتروني 

كاريكاتـــــير