شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الجمعة 02 اكتوبر 2026م03:43 بتوقيت القدس

خليل الوزير أباً وقارئاً للروايات وعازفاً

ابو جهاد : اول الرصاص .. اول الحجارة

17 اعسطس 2014 - 19:10
شبكة نوى، فلسطينيات:

لن يكون سهلاً ربما أن تخرج من حالة "خليل الوزير" سريعاً، حين تدخل منزله الذي كان في يوم قريباً من الدوار الرابع بمنطقة جبل عماّن في العاصمة الأردنية، وحين تستمع أيضاً لحكايته ليس من منظور حربي أو عسكري متعلق بعملياته التي وسمت الانتفاضة الفلسطينية الأولى على وجه التحديد، بل هذه المرة حين يحكي أبناؤه عنه؛ عن أحاديثه وأبوّته وموسيقاه ويومياته مع عائلته التي انخرطت فيما يشبه خلية النحل الثورية على مدار الساعة.

في بيته، الذي يقطنه حالياً نجله باسم، تتوزع صور الوزير في كل ركن.. المدخل، الردهة، وغرفة الاستقبال. لهجة باسم الغزيّة تذكّرك في كل لحظة بأحاديث والده المسجلة. يقول باسم لـ "ذوات": "أقرّ وإخوتي بشكل تام أن فقدان والدنا خلّف لدينا جرحاً لم يتماثل للشفاء بعد هذه الأعوام كلها. ما نزال غير مقتنعين برحيله، ومازال حاضراً في حياة كل منا في كل لحظة". يكمل: "حاول تهيئتنا طوال السنين التي سبقت اغتياله في العام 1988 بأن روحه على كفه، وبأن حياته معرضة للخطر في كل لحظة. لكن بقدر ما حاول التخفيف عنّا، فإنه لم يحمنا من الألم الجمّ. نستذكره في كل يوم، وكل فرحة ناقصة من دونه".

كان البيت، الذي شمّعت السلطات الأردنية مدخله في العام 1986 ممهلة ساكنيه بمغادرته في غضون أربع وعشرين ساعة، خلية ثورية، بحسب ما يقول باسم، إذ "كثيراً ما كانت تلتئم الاجتماعات في بيتنا الذي كان يصعب أن تجد فيه حيزاً للخصوصية. كنا ننتمي لعائلة كبرى اسمها الثورة الفلسطينية. لم يحدث أن طبخت أمي لنا وحدنا فقط، بل لكل من يرتادون البيت من كوادر وحراس وأخوة مع والدي في التنظيم. لم يحدث أن أوصد الباب في وجه أحد. وعينا على الدنيا ونحن منغمسون في هذه المنظومة".

كان الوزير، على قلة الوقت الذي يمنحه لأبنائه الخمسة، جهاد وباسم وإيمان وحنان ونضال، وسط مسؤولياته الثورية، يعطيهم الكثير، بحسب ما يقول باسم: "كنا نتحلق حوله حين يهم بقراءة الجرائد في المساء، وكنا نجلس حوله حين يحاول العزف على البيانو، عدا عن دمجه إيانا في تفاصيل من العمل الثوري كتسليم أسلحة لبعض المقاتلين في أثناء غيابه عن البيت"، وهو الأمر ذاته الذي تتحدث عنه ابنته الكبرى إيمان: "كان يعهد لنا بتفريغ الرسائل الموجودة في كبسولات والمهربة من سجون الاحتلال. وكنا نلخص له رسائل الجرحى. وكثيراً ما كان يصحبنا معه لمعسكرات تدريب الفدائيين، لا سيما في الأعياد".

لم يحدث أن انتظر أبناء الوزير العيد كما ينتظره بقية الأبناء. تقول إيمان: "كانت لدى والدي عادة تفقد مواقع الفدائيين صبيحة كل عيد، وكثيراً ما دُبّرت محاولات اغتيال له في كل مرة. لذا، كلما اقترب العيد كنا نقلق مما قد يحدث".

يقول باسم: "ما يزيد على الستين محاولة اغتيال تلك التي نجا منها الوالد. في صباحات العيد، وفي مرة حين حاول الإسرائيليون اختطاف طائرة مدنية كان على متنها فوق أثينا، وفي بيروت لطالما تعقبوا أثره وقصفوا بنايات كان يُعتقد أنه وباقي القيادات يجتمعون فيها".

"كنت واضحة معه وصريحة، وكنت أخبره بالكثير. صحيح أنه كان يعلّق بالصمت في معظم المرات، لكنه لم يحدث أن أوقفني وأنا أتحدث إليه أو تشاغل عنّي. لم يكن عصبياً البتة، كان هادئاً لأقصى الحدود"، تقول إيمان لـ "ذوات"، مردفة: "الوقت الوحيد الذي كنت أضمن من خلاله أن أراه، كان حين يعود ليلاً وأحضّر له العشاء".

لا تنسى حين وجدت والدها قد تفرّغ في ذروة انشغاله، ليستقبلها في المطار عقب أول فصل دراسة جامعي أمضته في أمريكا. تقول: "أخبرتني والدتي أن كل من كانوا في المطار في تونس كانوا يتساءلون عن الشخصية المهمة التي يقف الوزير في انتظارها. لا يمكن لي نسيان كل هذا الحب، وكيف كان يتابع حالة الربو المتأزمة لديّ وسط كل انشغاله الثوري".

كان "المشوار" الوحيد الذي يصطحب إليه الوزير أبناءه هو المكتبة، كما تقول إيمان، مضيفة "أكثر ما كان يعنيه التحصيل العلمي، وكان يتابع من خلال اهتماماتنا اهتمامات الشباب عامة؛ إذ أذكر أنه قرأ غير واحدة من روايات عبير التي انتشرت في ذلك الحين بشكل لافت للنظر؛ لأنه تخوّف من وجود يد للإسرائيليين بها".

من بين المفاصل التاريخية التي عاشتها عائلة الوزير بأدق تفاصيلها مرحلة حصار بيروت. يقول باسم: "رفض والدي في حينها أن يُخرِج جدي وجدتي من بيروت، وآثر أن يبقيا مع الفلسطينيين المرابطين تحت القصف. وحين خرجنا اعتلينا مركبات النقل الضخمة مع الفدائيين. كنا ننزل إلى الملاجئ وكانت الوالدة تقوم بدورها الوطني على أكمل وجه كما الوالد".

أم جهاد، انتصار الوزير، أمضت الأعوام، التي سبقت زواجها بأبي جهاد وأثناء الزواج منه وعقب استشهاده، وهي في ذروة الانخراط في العمل الفدائي. يقول باسم: "الوالدة حالة فريدة من نوعها. في أواخر الخمسينيات كانت تعمل معلمة في الجزائر وكانت تنفق على مكتب فلسطين من راتبها الشهري. وكانت توصل الرسائل وتسلم الأسلحة للخلايا، وحتى حين تزوجت والدي أصرّت في شهر العسل أن تنزل معه لتفقّد قواعد الفدائيين".

أما إيمان فتضيف: "حين تلقينا خبر اغتيال والدي، كنت وباسم في أمريكا للدراسة وقد سافرنا نحو روما وهناك التقينا بجهاد وعقدنا العزم ونحن في الطائرة المتوجهة نحو تونس أن نشدّ من أزر والدتنا. بمجرد أن دخلنا البيت الذي كان مسرح الجريمة كادت قوانا تنهار، لكنها هي من شدّ على أيدينا وقوّى من عزيمتنا. ما انفكّت تردد بأننا عشنا معه أعواماً كافية لنحفظ له صورة لا تُنسى". تستدرك "كنت قد حلمت بوالدي قبل أيام من اغتياله. كنت قلقة عليه، واتصلت به مراراً خلال ذلك الأسبوع، كما كنا نفعل دوماً عبر محطات سرية في باريس وقبرص وإيطاليا توصلنا به هاتفياً، فما كان منه إلا أن أنّبني على قلقي واستنكر تكرار الاتصالات. لم يرضيا بالضعف يوماً ولم يربيانا عليه. لكن في كل الأحوال، أورثتنا تجربة الثورة الفلسطينية واغتيال الوالد كثيراً من القلق والحزن حتى اللحظة هذه".

يستذكر باسم حادثة ألم جسيمة استثمرتها والدته لصالح الثورة الفلسطينية. يقول: "كان شقيقي الذي يكبرني قد وقع من شرفة منزلنا في دمشق وتوفي، وكانت القيادات الفلسطينية برمّتها معتقلة في سجون السوريين. استطاعت الوالدة استثمار الحادثة كي تخرجهم للحرية تباعاً. لقد أنصفها أبو عمار (ياسر عرفات) حين ذكر هذا عبر وسائل الإعلام".

يقرّ باسم بأن المنزل، الذي جرى فيه اغتيال والده في تونس، لم يكن محصناً بما يكفي لحمايته من الاغتيال، فقد "كان المنزل ساقطاً أمنياً؛ إذ كان على سفح جبل في منطقة سياحية هي سيدي بوسعيد، إلى جانب قناعتي بأن النظام التونسي آنذاك متواطيء أيضاً؛ إذ ليلتها تحديداً لم تكن هناك حواجز طيارة بعكس المعتاد في ليل الخميس، كما أن حركة غير اعتيادية كانت في المقبرة الأمريكية ليلتها، إلى جانب أن خطوط الهواتف كانت مقطوعة".

يستذكر باسم كيف كان يعدّ العدة مع شقيقته إيمان لاستقبال رمضان بعيداً عن الأهل في أمريكا. يقول: "تلقيت اتصالاً من ابن عمي يقول لي فيه: مبروك. ظننت للوهلة الأولى أنه يبارك لي برمضان، وإذ به يخبرني بأن والدي قد نال الشهادة".

لا يمكن لكل من باسم وإيمان نسيان بركة الدم التي شاهداها حين دخلا المنزل في سيدي بوسعيد، والباب الذي تم تهشيمه والدخول منه، وأماكن إطلاق الرصاص التي حُفرت على الجدران. يقول: "ودعناه في تونس ومن ثم في سوريا حيث دُفن في مقبرة الشهداء في مخيم اليرموك. كان هو من اشترى الأرض ودفن فيها الشهيد الأول، وكان هو الأخير. كان وجهه مضيئاً وباسماً وكانت رائحته طيبة".

"ما هوّن الألم قليلاً حجم الجموع التي ساندتنا في تونس ودمشق. كانوا جميعاً حولنا ولم يتركونا لحظة، حتى إننا لم نشاهده، وهو يوارى الثرى؛ لشدة ما تزاحمت الأعداد. قيل لنا بأن مليوناً ومائتي ألف أمّوا جنازة والدي"، يقول باسم.

كان أبو جهاد يردد: "الواحد ما بموت إلا والرصاصة جاية عليه واسمه عليها"، هكذا تقول إيمان، مردفة: "تبقى هنالك غصة بأنه لو أُخذت الإجراءات الاحتياطية اللازمة لما كانت النتيجة مروّعة كما حصل حين عكفت فرقة كوماندوز كاملة على تفريغ ثمانين رصاصة في جسده من خلال عملية إنزال تمت في منتصف الليل".

ويذكر باسم: "أوجعتهم عملية ديمونا ومن قبلها عملية شهداء الساحل وتخطيطات الوالد بشكل عام للعمليات الفدائية في الأرض المحتلة، لذا كانت عملية الاغتيال بكل هذه الضخامة، ولذا انخرط فيها 500 شخص ما بين تدريب وتنفيذ، بحسب ما اعترف به الاحتلال".

"لو كان أبو جهاد ما يزال بيننا لما وصل الترهل إلى هذا الحد. كان من ملفاته التي يوليها الاهتمام مباشرة إعادة بناء فتح وتطهيرها، عقب اهتمامه بملف العمل العسكري الداخلي. كانت لديه قائمة أسماء لا بد أن تُزاح حتى تعود فتح لنقائها"، بحسب باسم، الذي يكمل "الوالد ابن مدينة الرملة، وكان حلمه أن يعود إليها، وأن يحرر فلسطين كافة، انطلاقاً من أي شبر قد يقف عليه في الضفة أو غزة".

يستذكر باسم حين عاد مع منظمة التحرير الفلسطينية في العام 1994. يقول: "بمجرد أن أُبلغت بالخبر، بعت سيارتي وأثاثي في أمريكا وكنت في عمّان في غضون أسبوعين، ومنها توجهت مع منظمة التحرير إلى رام الله فغزة. دخلت ووالدتي وإخوتي بسيارة الوالد وكان شعوري لا يوصف وأنا ألوّح بالعلم الفلسطيني من النافذة. رأينا يومها من ظن بأن أبا جهاد ما يزال حيّاً يرزق، وبأنه اختفى لفترة وها هو عائد لفلسطين بسيارته". يضيف: "حاولت تقديم شيء لفلسطين ضمن حدود عملي وتخصصي، وكان أن أحدثت ثورة في قطاع الآي تي في غزة حتى اندلعت الانتفاضة الثانية وتدهور كل شيء".

لم تغفل عائلة الوزير عن فكرة المقاضاة، يقول باسم: "هممنا بالفكرة وأخذنا وعداً شخصياً من الرئيس محمود عباس بمتابعة الموضوع، لكنه تمنى علينا بأن نؤخر الموضوع إلى حين انتهاء مسألة عضوية فلسطين في الأمم المتحدة، كما أن تونس أبدت رغبتها لاحقاً بمقاضاة الإسرائيليين، لأن الجريمة قد تمت على أرضها".

عن موقع ذوات الالكتروني التجريبي

كاريكاتـــــير