أريد أن أحتفظ بذاكرتي عن سوق الزاوية القديم في مدينة غزة، السوق الذي تعرفني فيه كل النساء اللواتي يبعن الخضرة التي زرعنها في بيوتهن، السوق الذي تمشيت فيه مرات لا تحصى مع أصدقائي، وعن سوق الشجاعية في المدينة الذي ـ أبداً ـ لم نبحث عن شيء فيه ولم نجده، أريد أن أحتفظ بذاكرتي عن شوارع البريج ودير البلح، وشاطئ السودانية الذي جلسنا عليه وشوينا السمك كلما اشتهينا طعماً غزاوياً، أريد أن أحتفظ بذاكرتي عن خزاعة ومركزها الثقافي وأطفالها المذهلين الذين أبكوني حين وجدتهم يحفظون الأغاني التي أكتبها، لا أريد أن أزور قبورهم، أريد أن أحتفظ بذاكرتي عن مخيم خانيونس حيث لعبت مع أولاد عمي وأولاد عمتي ونحن أطفال، وحتى بعد أن كبرنا، وعن القرارة التي قضيت جزءاً كبيراً من طفولتي فيها، عن أشجار البرتقال والعنب والتين التي أحاطت بالشبابيك فكان يكفينا أن نمد أيدينا من الشباك لنقطف لوزاً أخضر، أريد أن أحتفظ بذاكرتي عن رفح التي ولدت وتربيت فيها، أحتفظ بذاكرتي عن مخيم الشابورة، عن فضل الفوال وحسن ومنافستهما على الزبائن، عن أم الحبيب بائعة الترمس، عن شارع أبو الصابر الذي لم يبق أحد في غزة لم يعرفه، عن شارع الهدد الذي أعلن انتفاضة وحده، عن شارع اسدود وسوق المخيم، وعن حي الجنينة الذي كنا نهرب إليه في منع التجول، وعن تل السلطان حيث يسكن أصدقائي القدامى، وعن مخيمات يبنا والبرازيل والشعوت وبلوك "أو"، عن دوار العودة، عن المقبرتين الشرقية والغربية وأصدقائي الشهداء الذين يرقدون هناك، عن حي السلام، عن الحدود مع مصر وطريق المطار المليئة بأشجار اللوز، لا أريد أن أرى غزة الآن، لا أريد أن أبدل ذاكرتي...
...
...
...
وكأني لا أراها...
























