شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الجمعة 02 اكتوبر 2026م07:57 بتوقيت القدس

مذكرات هيلاري كلينتون

07 اعسطس 2014 - 18:06
عبد المجيد سويلم
شبكة نوى، فلسطينيات:

بقلم: عبد المجيد سويلم

كما يعرف كثيرون غيري، أعرف أنا أيضاً أن معظم الساسة الأميركيين يغيّرون مواقفهم ويغلفونها بالغلاف الذي تتطلبه مصالحهم أو مصالح أحزابهم أو الاعتبارات التنافسية على المناصب والمواقع والامتيازات. وفي هذا السياق بالذات فإن اعتبارات التنافس على منصب الرئيس في الولايات المتحدة "تجيز" للسيدة كلينتون قول ما لا "يجوز" قوله أو تأويل ما لم تنضج الظروف لتأويله، بل حتى استباق ما يلزم استباقه.
ونعرف بحكم التجربة أن "القراءات" المتعددة لمذكرات السيدة كلينتون "تتلوّن" حسب أهواء الأشخاص وأهدافه وانتماءاتهم وما يرغبون باستقطاعه أو التركيز عليه.
كما نعرف أيضاً أن المذكرات نفسها يمكن تفسير ما ورد فيها أو بعضه على الأقل حسب الظروف بما في ذلك ظروف "الضرورات" التي تملي ليّ عنق الحقيقة.
وحتى لا يبدو كل ذلك وكأنه خارج الموضوع أباشر بالقول إن ما لا يمكن خضوعه للأهواء والمزاج والقراءات الخاصة والذاتية هو التالي:
عملت الولايات المتحدة على مدار السنوات الأخيرة على إعادة تشكيل المنطقة وفق رؤى جديدة وتقوم على أساس إقامة كيانات جديدة على أنقاض بعض الكيانات القديمة وبحيث يصار إلى تحويل هذه الكيانات إلى دول فيها قدر كبير من الانسجام ما بين "الأمة" والدين أو "الأمة" والعرق أو "الأمة" والطائفة (وذلك حسب الظروف وحسب الإمكانيات وبذلك يتحول الصراع العربي الإسرائيلي إلى صراع هامشي وثانوي، بل ويمكن أن يتحول الصراع ما بين هذه الكيانات إلى صراع رئيسي.
الإشارات التي أوردتها السيدة كلينتون حول هذه المسألة في كل من سورية والعراق ومصر أكبر وأبلغ من أن يستطيع أحد التحايل في تفسيرها وهذه مسألة أولى.
الإشارة الثانية ـ وهي المسألة الثانية في الواقع هي أن الولايات المتحدة قد رأت في النموذج التركي نموذجاً هاماً لعموم المنطقة من زاوية الاعتدال الديني ومن زاوية الاستعداد لتقبل الأفكار الديمقراطية وتلك الليبرالية والتحالف مع الغرب أو إيجاد مساحات واسعة للتفاهم مع الغرب عليها وحولها.
أما المسألة الثالثة فتتعلق بأهمية تنظيم الإخوان المسلمين في كامل هذه المنظومة، حيث أن الولايات المتحدة "وصلت" في مرحلة ما إلى قناعة كافية بأن ثمة ما يكفي من قواعد التفاهم بين الولايات المتحدة والغرب من جهة وجماعة الإخوان المسلمين من جهة أخرى على المرتكزات التالية:
استعداد الإخوان لعقد صفقة "تاريخية" مع الولايات المتحدة والغرب عموماً بهدف "تمكين" الإخوان من الوصول إلى الحكم في بعض البلدان العربية مقابل قبول الإخوان بالمبادئ العامة للديمقراطية (الغلاف الديمقراطي) والقبول بالنهج الليبرالي للتنمية بما في ذلك بعض أوجه الليبرالية الجديدة في المجال الاقتصادي والاجتماعي وليس الثقافي بالضرورة، ومجابهة جماعات التطرف والحفاظ على "تفاهمات دائمة" مع الوجود الإسرائيلي وربما الموافقة على السياسات الإسرائيلية بخصوص دورها الإقليمي. 
أما المسألة الرابعة التي وردت في سياق المذكرات فهي الزلزال المصري،
إذ تعترف السيدة كلينتون أن الولايات المتحدة أصيبت بالدوار جراء قيام الشعب المصري بثورتين متتاليتين وخصوصاً بعد الاطاحة بحكم الإخوان في ضوء ثورة الثلاثين من يونيو والسرعة المذهلة التي تم من خلالها الاطاحة بهم بإسناد شعبي غير مسبوق وبكمية لا تحصى من خطايا الإخوان وأخطائهم في أقل من سنتين.
السيدة كلينتون تعترف أن الولايات المتحدة حاولت مساعدة الإخوان والتصدي للثورة المصرية، لكن أخطاء الإخوان وخطاياهم كانت أكبر من قدرة الولايات المتحدة على إدارة صراع "ناجح" ضد الثورة المصرية الجديدة.
خلاصة القول هنا اننا أمام "اعترافات" مذهلة حول الاعتماد على "الأتراك" واستخدام "القطريين" والتحالف مع الإخوان بهدف إعادة تشكيل المنطقة وفق المصالح الأميركية والإسرائيلية والغربية. بكل المقاييس هذه فضيحة العصر العربي الجديد، وبكل المقاييس السيدة كلينتون أسدلت الستائر على فصل كامل من محاولات الإخوان "اخفاء" انخراطهم المشين في خطط وبرامج الأميركان.
"هنيئاً" للإخوان بهذه الفضيحة المدوية وهنيئاً لأذيال الإخوان وهم يدخلون بفضل احتياج السيدة كلينتون لخوض معركة الرئاسة القادمة في الولايات المتحدة إلى قائمة العار الحقيقية في هذه المنطقة.
وهنيئاً للسيدة كلينتون بهذه "الشجاعة" التي من خلالها كشفت لنا الكمية الهائلة من الكذب والخداع والتضليل التي قيلت حول مصر وثورة مصر ورئيس مصر وخصوصاً في سياق الحرب التي شنتها إسرائيل على شعبنا في القطاع.
هكذا إذن الصورة أصبحت أكثر وضوحاً.
تركيا هي النموذج والقاعدة، قطر هي الأداة الرخيصة من حيث القيمة، والغالية من حيث القدرة على التمويل، وأذناب الإخوان هم مجرد ببغاوات يرددون كلاماً كبيراً عن "الثورات" و"التحرر" و"الديمقراطية" ويقومون بتدمير المجتمعات العربية ويفككون كل ما يمكن تفكيكه من بنى اقتصادية واجتماعية وثقافية لكي تقام الدول والممالك ولكي ينصب على رأسها أمراء الطوائف والحروب.
نحن ممتنون للسيدة كلينتون لأنها أعطتنا ما يكفي من الوقائع والمعطيات لكي نفهم الأهمية الاستراتيجية لثورة مصر ودور مصر القادم في حماية الهوية القومية وفي بناء الدولة العربية الوطنية الحديثة، وفي مواجهة دويلات الطوائف والأعراق والأديان والملل الأميركية الجديدة.
نحن ممتنون لها مرتين، مرة لأنها كشفت المستور الذي كنا نعرفه وواثقين منه، ومرة لأن الأنذال والأذناب من الآن فصاعداً أصبحوا في خانة الإدانة بعدما كانوا بالنسبة إلى قطاعات واسعة من الناس مجرد "مشبوهين" أو متهمين حتى تثبت إدانتهم.
حاولت السيدة كلينتون التخفيف من وطأة الفضيحة لكنها فشلت هذه المرة، وهذا لا يهمها على الإطلاق طالما أن الهدف الأهم والأسمى هو النجاح في الانتخابات القادمة.
مذكرات كلينتون وموقف الغنوشي في اجتماعات اسطنبول، وموقف أردوغان من انتقادات الغنوشي، ومؤتمر باريس بين أميركا وقطر وتركيا (لوقف العدوان على غزة)!!! مجرّد بدايات لفيلم أميركي طويل تتتالى أحداثه تباعاً.
ما أفهمه وأكاد أقول أعرفه أن الرئيس أبو مازن لديه من الحقائق التي تأتي في هذا السياق ما يفوق كل تصور وما لا يخطر على بال أحد. والأيام القريبة القادمة ستكشف أحداثاً ووقائع مذهلة عن دور الإخوان في خدمة الأميركان.

كاريكاتـــــير