هي هي البلد كما أعرفها من زمان، سأتوقف عن أي من مفاجآتها. للمدن أسرارها وللأولاد والبنات حبل سري مع ذاكرة الأجداد والجدات، هم الآن في الخليل والبيرة وجنين لا ينامون، يعبئون الكراتين بالحليب والأرز والشعيرية. وفي البيرة مشهد أطل عليه يوميًّا، عائلات تصل في سيارات تنزل التبرعات ويستلمها أولاد وبنات لا ينامون، اسمهم قوارب غزة، لا يمكن تعويض رؤيتهم هذه الأيام وهم يرفعون التبرعات إلى الشاحنات الذاهبة إلى غزة.
القدس.. ليست كأي مدينة، القدس المتروكة شوارعها وأسواقها للكساد التجاري والإهمال من قبل الدولة والمؤسسات منذ سنين، والتي يحاول الاحتلال بملايين الموازنات أن يحرف بوصلة الأجيال فيها، لم تنم منذ الجريمة النازية بحق الطفل أبو خضير. ولها أجندتها ومواعيدها في مواجهة المحتل وكسر مقولاته عن العاصمة الأبدية، أولادها أعطبوا سكة حديد القطار الإسرائيلي، وفي كل ليلة يشعلون المواجهات في جبل المكبر والطور والعيسوية وعناتا، وفي قلب البلدة القديمة يصلون ويصدون دخول المتطرفين.
كيف نرد الجميل لهذا الجيل المحترم؟ فهم منذ هجوم إسرائيل بمزاعم خطف المستوطنين وهم يتصدون على طريقتهم الخاصة. ففي الوقت الذي تهدأ بعض مدن الضفة الأخرى، تنفض القدس الغبار ويهب لها الداخل المحتل بكل مدنه وقراه، في الناصرة وأم الفحم وعيلبون وسخنين وفي كل المواقع.
مجانين وأنا منهم من تخيلوا أن الاتفاق السياسي سيؤدي إلى دولتين، فالبلد ظلت ترسم حدودها التاريخية دون أن ينتبه لذلك أي سياسي أو مثقف، والقدس تحفر نفسها في الناس غضباً وفكراً وسياسة غير حزبية وتنفجر في أي لحظة في الشوارع أو حتى داخل الكنيست الإسرائيلي.
ثلاث عميات فدائية في يوم واحد، حدث ذلك يوم الإثنين الرابع من آب 2014، الذي كان وصار يومًا آخر في القدس، يجب أن يتم التأريخ لهذا اليوم وإحياؤه، لأنه شهد عملية الجرافة وعملية إطلاق الرصاص من سائق الدراجة النارية على الجنود وطعن شرطي قرب مستوطنة معاليه أدوميم، هذه العلميات لم تخطط لها لا فصائل ولا أجنحة عسكرية، ومنفذوها من العاديين جداً الذين يشاهدون التلفزيونات وهي تبث قتل أطفالنا في غزة بالبوارج والطائرات الاسرائيلية.
العيزرية وأبو ديس والرام وكفر عقب وكل الأحياء التي كانت تطلب حمل همها البلدي والخدماتي في ظل مخططات التهويد، صارت تقود معركتها بنفسها بلا بيانات ولا قيادات، وكل ما في الأمر شبان وآباء وأمهات بذاكرة وطنية نظيفة وتوثب ثوري منظم وطويل النفس يعرف أن المجرم الذي أحرق الطفل محمد قد يعود للجريمة مرة أخرى مع أي طفل في ضواحي وأحياء المدينة المحتلة.
لن ينسى أحد مشافي القدس، المقاصد والفرنساوي والمطلع، التي أعلنت الطوارئ واستقبلت جرحى غزة بلا تحويلات وعلى نفقتها الخاصة، وصارت أهلا للقادمين من غزة، طببت جروح من أراد الله لهم الحياة، وبكت بخشوع وهي تنظم جنازات من رحل من الأبناء والبنات.
في مقرات التبرع في رام الله القريبة، تسأل المنظمين كالعادة: طيب إنت من وين؟ تسمع: "الرام والزعيم والشيخ جراح وأرض السمار وباب الواد وواد التفاح"، وتسمع لهجات القدس وخلايلة القدس وأسماء عائلات العاصمة بكل الرنات والطبقات.
تخونه الأناقة من يفتح النقاش الآن حول النصر أو الهزيمة في غزة، دعوا الأمر للعاديين واليوم العادي والسلوك الطبيعي والذاكرة في أعلى انتماءاتها وللجيل في انفعالاته كي يشكل المعنى المطلوب الذي سيكون حتمًا صمودًا فلسطينيًّا مقابل جريمة حرب إسرائيلية، لن يتجاوز هذا، وهذا هو ما تقدمه القدس بناسها وأهلها في هذه الأيام، وهو ما سمعته يقال بين صحافيين وصحافيات شبان في مسيرة ما في رام الله واتفاقهم على كلمة سر لإدارة الرأي العام في الأيام التي تسكت فيها الحرب.
قادرون على أن يشكل كل منا صموده أو انتصاره، أنا شخصيًّا رأيته في يد مسنة عجوز مسبغة بالدم من أثر إبرة الجلوكوز في المستشفى، يد متعبة ومريضة وخارجة من عملية جراحية ترتفع بهدوء وتقول: "خذ يما روح إشتري مية لغزة".
القدس الآن تعلمنا وتقود البقاء، ولها كلمة سرها مع أخواتها في غزة والجليل والمثلث والضفة والنقب
























