هناك من يقول: "لا يمكن أن يتحقق الانتصار إلا إذا اعترف أحد طرفي الحرب بهزيمته"، وهناك من يقول في السياق ذاته إن الإنسان يمكن أن يٌقتل ويموت ويُشرّد ولكن قد لا يُهزم.
ربما يكون هذا خير توصيف للحالة الفلسطينية عبر عقود طويلة من الصراع، لم تثمر عن اعتراف فلسطيني بهزيمة، أو تراجع عن الثوابت، والإيمان المطلق بضرورة استرجاع الأرض والتحرر من قبضة الحرب والقتل.
هذا هو حال الفلسطيني الذي يقاوم بإرادته ويطلق رصاص الصبر على جبهة الوقت لتتساقط عقارب الزمن وتتهاوى المأساة ويبقى الإصرار على حتمية الإنتصار واسترجاع الحقوق ولو بعد حين.
لطالما كان السؤال في الحروب التي يشنها الاحتلال ضد الفلسطينيين: من المنتصر؟، ولطالما حاول البعض أن يجعل من الانتصار ورقة سياسية تخدم حزباً ما أو فئة دون أخرى، لكن الحقيقة في الحالة الفلسطينية الآن تفيد بأن المنتصر هو الشعب الفلسطيني الذي يقدّم دمه ويصبر على معاناته ليَجُرّ خلف ذلك كله النصر بحبال صبره وإرادته وتغلّبه على النار بأطنانها وحرارتها المرتفعة، وهو الذي لم يُهزم حتى الآن برغم كل أدوات الحرب المستخدمه ضده، فأي انتصار هذا الذي يقبض عليه الفلسطيني بيده وهي تتوسط النار دون أن تفلته فيسقط منها.
إن الانتصار المتحقق اليوم في ظل الأحداث الأخيرة على الأرض الفلسطينية، ليس ضيقاً ليكون حصراً على حزب أو فصيل بعينه، بل هو كامن في الروح الفلسطينية الشعبية الثائرة التي انتفضت في فلسطين، كل فلسطين، لتعلن عن وحدة الأرض والشعب وتستعيد ما عجزت عن استعادته البندقية وغصن الزيتون معاً عبر وقت طويل كانت المحاولات فيه مستعرة من أجل الوصول إلى مجتمع فلسطيني ممزق ومتعدد .
أكثر ما يلفت في هذه الحرب، أن الفلسطيني استعاد نفسه ولملم الجهات كلها ليرسم من جديد خريطة الوطن، وجغرافيته المسلوبة، تلك التي اعتقد بعضنا أنها ترامت وتهاوت في مساحات الفتنة والتفرقة التي عاشها الوطن عبر السنوات الماضية.
من جديد، تتقدم فلسطين المشهد لتكون الحدث بكل تفاصيله وعناوينه، بعد أن أثبتت أنها القضية الأولى والأغلى بالنسبة لكل عربي وحر في هذا العالم، وأنها الثورة الحق التي لم تخدم حزباً أو جماعة تحت شعارات دينية أو حزبية مزيفة، ولن تكون كذلك.
مرة أخرى، إن المنتصر هو الشعب الفلسطيني الذي يقدّم كل ما يملك لاستعادة كرامته وتأكيد جدارته بالحياة والحرية، مُسقطاً جميع الطموحات الضيقة التي تحاول المتاجرة بدمه والظهور بمظهر الداعم أو المُنجد بعد كل حرب، طمعاً بتحقيق مآرب سياسية لم تعد تخفى على أحد من قبل هذه الدولة أو تلك، رافضاً تسييس الدم والقفز فوق أسوار التضحية الشعبية الفلسطينية
























