شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الجمعة 02 اكتوبر 2026م08:36 بتوقيت القدس

"أنفاق" الحرية في غزة

06 اعسطس 2014 - 00:18
حسن مدن
شبكة نوى، فلسطينيات:

"لم تأت أغنيتي لترسم أحمد الكحليّ في الخندق
الذكريات وراء ظهري، وهو يوم الشمس و الزنبق
يا أيّها الولد الموزّع بين نافذتين
لا تتبادلان رسائلي
قاوم
إنّ التشابه للرمال ... و أنت للأزرق"
محمود درويش
في الأسطورة القديمة فإن "يولسيس" الذي شغف بالإبحار والتجوال، كان يهرب دائماً إلى المكان الذي يستطيع أن يغرز فيه قدميه، ويقول، هذا ترابي، وحين كان في أمسّ الحاجة إلى الراحة من عناء البحر ومشقات السفر خيرته الفاتنة "كاليسو" بالبقاء في جزيرة الخلود حيث تقيم، خالداً كالآلهة، وبين العودة بشراً فانياً على أرضه التي انطلق منها أول مرة، فاختار العودة إلى أرضه رافضاً الخلود .
ثمة أسطورة أخرى، حية من لحم ودم ودموع، هي أسطورة الشعب الفلسطيني الذي لم يبحر على طريقة "يولسيس" بإرادته، إنما اقتلع من "أرض رباها باليدين"، ليفرض عليه أن يهيم في أراضي الدنيا، ولكنه في واحدة من مآثر العصر برهن على تمسكه بأرضه، فجعل من حجارتها سلاح مقاومة للغاصب في سابقة لم يعرف لها التاريخ، فوهب الحجر السر والسحر والقوة وعبّأه بالنشيد .
بالرغم من هول المأساة الفلسطينية وتهجير الجزء الأكبر من الفلسطينيين عن أراضيهم، فقد اجترح هذا الشعب ملاحم عدة: ملحمة التمسك بالأرض والبقاء عليها رغم عسف المحتل، سواء كان ذلك في أراضي 1948 أو 1967، أو في التصميم على العودة والنضال في سبيلها لمن رحلوا عن أرضهم، وفي الإبقاء على قضيتهم حاضرة ومؤرقة للضمير الإنساني طوال عقود، وفي هذا انخرطت أجيال ممن ولدوا في الشتات ولم يروا من فلسطين حتى شبراً.
لغة فان النَّفَقُ مَمرّ يخترق الحواجزَ كالجبال أو البحار له مدخلٌ ومخرج، وفي القرآن الكريم جاء: { فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ }، والنفق نقيض الحرية. الحرية يلزمها فضاء مفتوح، مدى واسع لا يحد، أما النفق فهو ممر معتم، في الغالب، سري، لا تعرفه إلا أعين من حفروه، لكن الشعب الفلسطيني، مجترح المعجزات والنقائض، جعل من أنفاق غزة ممرات حرية. كان الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات يردد في خطاباته الشهيرة، عبارة: "أنا أرى النور في نهاية النفق". كان أبو عمار، يومها، يلجأ إلى المجاز وحده، فلم تكن ثمة أنفاق بعد قد حفرت في غزة على الأرجح، ولكنه، وهو الزعيم المخضرم، المجرب، يهجس بالقادم، ويتنبأ به.
منذ سنوات طويلة شاهدت فيلماً روسياً جميلاً إسمه: "الحرية ، تلك الكلمة الحلوة"، يدور حول حكاية نفق يحفر بين زنزانات سجن ناء يحتجز فيه قادة الحركة اليسارية والتقدمية في أحد بلدان أمريكا اللاتينية، ويمتد النفق عدة كيلومترات خارج السجن، ليكون مخرجه عند بقالة بسيطة، إستأجرت لهذا الغرض من قبل مناضلين في نفس الحركة التي ينتمي إليها السجناء، وبعد أن ينجز النفق، يتم تهريبهم عبره إلى الحرية. وأذكر أن أكبرهم سناً أصيب بعيد لحظات من خروجهم بأزمة قلبية، وكان تعليقه على ذلك: "حتى الحرية بحاجة إلى أن نعتاد عليها".
والشعب الفلسطيني حرم من حريته حتى تجاه أكثر مبادىء القانون الدولي والتحضر الإنساني بداهة: الحق في تقرير المصير، وإقامة الدولة الوطنية المستقلة، ولكنه أدهش ويدهش العالم في إجتراحه لمآثر النضال، وها هو يقيم تحت أرض غزة حياة أخرى من نور وأمل وتصميم وعزم على بلوغ النصر، كأنه يستوحي من أبي الطيب المتنبي بيته الشهير: "إذا غامرت في شرف مروم، فلا تقنع بما دون النجوم".
غزة اليوم هي شاهدة وشهيدة في الآن ذاته. شاهدة لا على همجية العدو الصهيوني التي لم تعد بحاجة إلى "إثباتات" إضافية، فالسجل الدموي الحافل لهذا العدو مليء بالفظاعات، وإنما على هوان العرب وذلتهم وفرقتهم وخذلانهم، وغزة شهيدة تقتل في صمت فيما العالم لا يكتفي بالتفرج على المجازر وإنما مباركة حرب نتنياهو عليها، فيما العرب منشغلون بحروبهم العبثية وبمتابعة تفاهات "سرايا عابدين"، وما على شاكلته من مواد إعلامية تعمم السطحية والضحالة والجهل واللامبالاة، وتمتهن التاريخ.
ويبدو مخزياً للعرب أن أصواتاً حرة في العالم تنطق محتجة على جرائم العدو ضد غزة وأهلها، فيما الصمت يلف شوارع العرب، التي كانت حتى سنوات قليلة مضت تنفجر غاضبة حين يحدث ما يشبه ما يحدث اليوم، كأن التاريخ يكاد يسجل أن هوان العرب بلغ قراراً ما بعده قرار بفعل أياديهم بدرجة لا تقل عما فعله أعداؤهم والمتربصون بهم، حين استكانوا إلى فكرة العجز عن مواجهة ما يحسبونه قدراً لا رادّ له، عليهم التسليم به على طريقة إحناء الرأس أمام العاصفة حتى تمر، متجاهلين أن الأمر لا يتصل بعاصفة وإنما بطوفان سيليها يجتاح كل ما تبقى.
غزة المنسية اليوم، غزة الشاهدة والشهيدة، تقاوم باسم فلسطين والعرب جميعاً، حتى لو اختار هؤلاء العرب أن يقبلوا بالتفرج على ما يجري صامتين خياراً لهم، فالتخاذل يجر التخاذل، والعجز يقود العجز، إن لم نشهد صحوة للأمة، تنتفض فيها على المآل الذي بلغته، وتستلهم من تجربة غزة ذاتها ما يلهمها في استعادة أسباب الصمود والعزة.
يمكن أن نفهم غطرسة نتنياهو في رفضه الانتقادات الدولية الموجهة لعدوانه على قطاع غزة وإصراره على مواصلة هذا العدوان، فالضوء الأخضر الأمريكي والأوروبي ممنوح له ولعدوانه الآثم، ويغريه التفكك العربي والانهيار التام لمنظومة الأمن العربي والنظام الرسمي العربي عامة، بتمزق سوريا والعراق وليبيا واليمن، وبحالة الإحباط العام التي تسود العالم العربي.
الشعب الفلسطيني، في غزة خاصة، الذي يواجه القتل اليومي لآلة العدوان الصهيونية، هو الاستثناء العربي الوحيد في اللحظة الراهنة في الصمود، حتى لا نصبح جميعاً عبيداً للمشروع الصهيوني الذي يزداد تغولاً وجنوناً، وأصحابه يرون كيف تتوالى قطاف مشروع الفوضى الخلاقة والشرق الأوسط الجديد، الذي أطلقه المحافظون الجدد في عهد بوش، وتستمر إدارة أوباما على خطاهم في تنفيذه.

كاتب بحريني 

كاريكاتـــــير