شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الجمعة 02 اكتوبر 2026م09:16 بتوقيت القدس

.. إنها "التهدئة الإنسانية" يا صديقي !!

27 يوليو 2014 - 18:54
هاني حبيب
شبكة نوى، فلسطينيات:

بقلم: هاني حبيب

يقولون "تهدئة إنسانية" وهأنذا أكتب بينما كل مشاعري وأحاسيسي لا تقترب البتة من هذا القول، فأية تهدئة هذه تحت كل الأخطار المحتملة والممكنة في كل لحظة، وأية إنسانية هذه التي تدعي بأن توجه أطقم الإسعاف للبحث عن جثث القتلى والشهداء من تحت الأنقاض والركام، بأيديهم العارية، هي إنسانية، أي معنى لإنسانية بينما المسعف بات هدفاً محتملاً بل أكيداً لقذائف الدبابات والطائرات والمدمرات، أية تهدئة إنسانية ونحن نشعر بالقهر الهائل من انعدام الكهرباء والماء، أية إنسانية هذه والجموع تزحف عائدة لتفقد بيوتها المدمرة بحثاً عن مفقودين تحت الدمار، أية إنسانية هذه وإسرائيل تقول إنها هدفت من بين أهداف أخرى، عندما وافقت على هذه "التهدئة الإنسانية"، كانت ترمي إلى أن يتعرف الفلسطينيون إلى مدى ما أحدثته من قتل وتدمير، ليس فقط هؤلاء الذين وقعوا تحت سطوتها مباشرة، ولكن لبقايا الأحياء الذين يجب أن يتعظوا عندما يرون كيف أن آلتها التدميرية الهائلة، الكفؤة والقادرة بإمكانها ولا منازع مصادرة كل أمل وكل حلم بالمستقبل.
مع "التهدئة الإنسانية" هذه، تذكرت أن ذاكرتنا الفلسطينية وربما العربية عموماً هي ذاكرة الحرب، كل المناسبات ترتبط مباشرة أو ضمناً بالحرب، منطقة لم تستقر طوال عقود، وظلت ميداناً للحروب المستمرة، غزة وحدها شهدت ثلاث حروب خلال خمسة أعوام فقط، وما كان يفصل بين هذه الحروب الثلاثة، حروب صغيرة، تذكرنا دائماً بحرب سابقة وحرب قادمة.
يقولون إن الحرب هي صفة بشرية إنسانية، منذ الإنسان الأول، الحرب للحصول مع ما لدى الغير، بأشكالها البسيطة حتى أشكالها المعقدة هي صفة أساسية للبشر منذ بداية التاريخ الإنساني حتى يومنا هذا، اختلفت الأشكال والأدوات، لكن المعنى الجوهري للحرب ظل كما هو، وفي خلال الأشكال المتعددة للحرب، نشأت التحالفات والمؤامرات والاتفاقيات والقوانين الدولية، كلها تنشأ من مبدأ الحرب بأشكالها المختلفة، العالم كله يكاد ينطلق من الحرب في جوهرها البشري الإنساني.
أكتب قلقاً، لأني لا أعرف كيف سأرسل مادتي هذه إلى الصحيفة دون كهرباء، ولكن ها هو أذان الظهر يصدح من أربعة مساجد حول منزلي، لديهم كهرباء، لديهم رسالة يمكن بثها، أكتب وأفكّر فيما إذا كانت هناك وسيلة لأرسل مادتي من المسجد أم لا؟! لم أسأل بطبيعة الحال لماذا ليس لدي كهرباء ما دامت تصل إلى المنطقة؟! إنها الحرب إذن، ولا أعني هنا هدير المدافع والمدمرات والطائرات والدبابات، بل الحرب الساكنة الصامتة بين مصالح البشر!
ويقولون أيضاً، إن منطقتنا تكاد تكون "مميزة" بحروبها الدائمة والمستمرة، إذ ان "العالم الحرّ" لا يذهب إلى الحرب، إلاّ إذا كانت حرباً كبيرة وعظيمة، لكن هذا العالم يعيش حالة مثلى من الاستقرار المستمر بفضل تعويض حروبه الممكنة، بتصدير الحروب الصغيرة، المستمرة والدائمة، خارج أسواره، إذ إن كافة الحروب، لها منشأ وحيد مصالح ذاك العالم الحر، إذ إن هذه الحروب الصغيرة هي التي تمكنه بعيداً عنها مما يوفر له الاستقرار والرفاهية.
الحروب الصغيرة في منطقتنا، عليها أن تستمر، فهناك خشية من أن توقف هذه الحروب، تستدعي هجرة المحاربين إلى "العالم الحرّ"، فهؤلاء باتت الحرب مهنة لهم، خاصة وأنها تحظى بتغطية فكرية دينية في الغالب، هذا العالم يخشى من "موسم الهجرة إلى الشمال" ليس فقط من الفقراء والعاطلين عن العمل، ولكن الأخطر من ذلك، هجرة المحاربين "الجنوبيين" المولعين بالحرب والمدجّجين بأفكار الموت، استقرار العالم الحرّ، بات رهناً بالحروب الصغيرة في "الجنوب"!
ليس هناك من جهد يبذله العالم الحرّ، لاستمرار الحروب العديدة والمتواصلة في منطقتنا، فالمعادلة باتت منذ زمن، أكثر وضوحاً، إسرائيل في قلب المنطقة، إذن الحروب مستمرة، ليس "لاستئصال هذا الكيان الدموي"، بل لديمومته وديمومة الحروب بشتّى أشكالها وأهدافها.
وللعالم الحرّ فنونه في اندلاع الحروب، حتى أنه يحاول تهدئتها بين وقت وآخر، في الحرب الإسرائيلية على لبنان العام 2006، طلبت الولايات المتحدة عقد جلسة لمجلس الأمن بهدف استصدار قرار لوقف إطلاق النار، إسرائيل عارضت كونها تريد وقتاً أطول للقضاء على المقاومة اللبنانية، نجحت الولايات المتحدة، بالرغم عنها في تأجيل ثم تأجيل عقد مجلس الأمن لإتاحة المجال أمام إسرائيل لكسب الحرب، لكن في النهاية، لم يكسب لا لبنان ومقاومته ولا إسرائيل هذه الحرب، في الحرب الإسرائيلية الثالثة على قطاع غزة، هناك مناورات أميركية لإدامة الحرب حتى تحقق إسرائيل المزيد من أهدافها، يظن البعض أن واشنطن محرجة من رفض إسرائيل لمقترحات كيري حول التهدئة أو الهدنة، لكن الحقيقة، أن واشنطن لا تزال تناور لمنح إسرائيل المزيد من الوقت تحت غطاء الحراك الدولي لوضع حد للعدوان!!

كاريكاتـــــير