بقلم: عادل الأسطة
زمن الرواية، لا زمن الدراسات
في عمان تسأل في مكتباتها عن كتب الدراسات، ولأن أحد طلابك سيكتب عن مظفر النواب، ترغب في اقتناء أكبر عدد من الدراسات عن الشاعر وعن الشاعر محمود درويش أيضا، وتفاجأ بأن الدراسات المتوفرة في المكتبات التي تتردد عليها: الشروق والأهلية، قليلة. لماذا؟ لأن المكتبتين تهتمان بما يسأل عنه القراء: الأعمال الإبداعية أو الكتب السياسية أما الكتب التي تدور حول النصوص الإبداعية فقليلة، وهكذا تضطر لأن تبحث عن مكتبات أخرى يقترح اسمها عليك أصحاب دار الشروق والدار الأهلية، وتقودك قدماك إلى مكتبة أسامة في العبدلي، علك تجد ضالتك.
تتذكر حواراً هاتفياً مع زميل لك هو دارس بالدرجة الأولى، لا يكتب الرواية، ولا يكتب الشعر، فهو أكاديمي يدرس الأعمال الإبداعية.
قال زميلك لك، حين سألته: لماذا انصرفت عن التأليف إلى الترجمة؟ ، قال لك: الترجمة أجدى، فحين تترجم كتاباً تكافأ على ترجمته مكافأة مجزية، وأما حين تؤلف كتاباً، حتى لو كان متميزاً، فإن الناشر يطلب منك أن تسهم في دفع نصف التكاليف.
ويذكرك الحوار بحوار آخر مع صاحب دار نشر، مرة أقدم صاحب الدار على نشر كتاب لك، وطلب منك أن توقع عقداً يدفع لك بموجبه 10%، ولما تكدس الكتاب ولم يرج كثيراً غدت الاتفاقية حبراً على ورق، وحين عرضت عليه أن ينشر لك كتاباً آخر قال: كتب الدراسات كما ترى.
في ألمانيا لا ينشرون من كتب الدراسات، في طبعتها الأولى، ألفي نسخة. إنهم ينشرون 500 نسخة فقط غالباً ما تقتنيها مكتبات الجامعات لا الأفراد، إلاّ إذا كان الفرد معنياً جداً بالأمر، ويكون سعرها مرتفعاً.
لماذا طبعت من الكتاب ألفي نسخة؟ أما كان الأجدر أن تطبع منه 500 نسخة فقط هي التي بيعت؟
إن كان الكتاب مقرراً جامعياً يدفع لك الناشر، وإن لم يكن مقرراً فالقراء قليلون ولا جدوى من طباعته.
اليست الترجمة أجدى من التأليف؟ أليست كتابة الرواية وطباعتها أجدى من إنجاز الدراسات التي لا يقرؤها إلاّ كاتبها وبعض مهتمين؟ وتمعن النظر في ظاهرة الأكاديميين الروائيين.
لقد تحوّل قسم منهم إلى كتاب رواية بعد أن كانوا دارسي فن الرواية، إنه زمن الرواية، لا زمن الدراسات عنها!!
- هل استغفلك سائق الصباح ؟
كلما زرت عمان عرجت على محل بيع ألبسة إيطالية، واشتريت بنطالاً بنطالين، غالباً ما يروقان لك، بضاعة إيطالية مميزة، ومرة قال لك صاحب المتجر: إن زبائني هم من الوزراء ووكلاء الوزارات.
وغالباً ما تشتري البضاعة التي اقترب موعد نهاية عرضها، نهاية موسمها، وغالباً ما قال لك البائع: هذه آخر قطع وعليها تنزيلات، وهكذا تشتريها بنصف الثمن، على ذمة التاجر.
هذا العام، في رحلة الصيف والشتاء، تعرج على المتجر نفسه وتشتري بنطالاً، البائع قال لك: إنه بخمسة وأربعين ديناراً، وأن ثمة تنزيلات مغرية تصل إلى 30%، وهكذا سيوافق على أن تشتري البنطال بثلاثين ديناراً، إن رغبت.
هل كان البنطال الذي راق لك ايطاليا بالفعل، وأعطاك التاجر بنطالاً آخر بسبب الحجم؟ ولأن القماش لم يرق لك كثيراً فقد ترددت، وعرضت عليه سعراً أقل، وصل إلى عشرين ديناراً، ووافق التاجر.
في الفندق تنظر إلى بلد المنشأ، وتضحك، التاجر قال إنها بضاعة ايطالية، وما كتب على ورقة المنشأ يقول: صنع في جمهورية الصين، يا له من تاجر، ويا لك من مغفل! تقول.
هل اختلف الحال في الصباح؟
ما من مرة تسافر فيها إلى عمان إلاّ وتلاحظ محاولات السائقين، على الضفة الثانية، يحاولون استغلال الركاب، بعد اصطيادهم، سيارة بعشرين ديناراً يا أستاذ. و.. و.. و.. أحياناً تساوم وأصدقاء قد تلتقيهم صدفة، وغالباً ما تسافر إلى عمان راكباً في سيارة.
في أثناء العودة تستقل سيارة من الفندق إلى مجمع السيارات في طبربور. سيارات التاكسي أكثر من الهم على القلب، لا تنتظر كثيراً حتى تأتي سيارة وتقلك بدينارين على الأكثر.
سابقاً كنت توفر هذين الدينارين، فقد كانت منطقة العبدلي هي المجمع، وهي قرب الفندق، إن هي إلاّ خطوات ثم تجد نفسك أمام سيارة الجسر. لعلهم، حين نقلوا موقع المجمع، أرادوا أن يخففوا العبء على وسط العاصمة.
صباح مبكر والشوارع خالية إلاّ من عابر سبيل وصوت حافلة، يقف سائق تاكسي ويسألك عن وجهتك، فتشكره، سيارة خصوصي ركب عليها صاحبها شارة سيارة تكسي، تعرف هذا من السائق الذي أقلك، ويقف سائق ثانٍ وإلى جانبه راكب، فتشكرهما، لأنك تريد أن تذهب فوراً إلى المجمع، ولا ضرورة لأن يقلك سائق يقل راكباً آخر الله يعلم أين وجهته.
السائق الثالث توقف فصعدت، كانت الأجرة مائة وثمانين قرشاً، ولما أردت إعطاءه دينارين، سألك إن كنت تملك عشرين ديناراً ليعطيك الباقي.
لماذا لبيت طلبه؟ ثمة بقايا نعاس، وثمة ما لا يعني الكثير، وأغلب الظن أنك ناولته عشرين ديناراً أعطاك بقيتها، ثم.. ثم قال لك: هذا دينار وليس عشرين ديناراً.
هل قام بما يقوم به الحاوي؟ التبس الأمر عليك وصمت، وأغلب الظن أنك كنت مغفلاً، للمرة الثانية، خلال يومين، وربما للمرة الثالثة، ثمة التباس ما تلبسك حقاً، في المتجر، وفي متجر الجرابات، ومع سائق التاكسي.
ـ جولة في سوق الخضار:
طارق العربي اسم مستعار لشاعر شاب من نابلس درسته مساق المدخل إلى تذوق النص الأدبي ومساق لغة الإعلام بالعربية.
ولم يعمل طارق في مهنة المتاعب، ربما لأنه لم يجد وظيفة في جريدة، وأخذ يعمل في سوق الخضار في مدينة نابلس، وواصل القراءة والكتابة وأصدر ديوان شعر عنوانه في الرابعة صباحاً، إن لم تخنك الذاكرة.
في السوق في الرابعة صباحاً، في سوق الخضار في الرابعة فجراً. [الرابعة فجراً في السوق].
في عمان تقرر أن تتجول في السابعة صباحاً في سوق الخضار قرب جامع الحسيني. كان سوق الخضار هذا في 70 ق 20 مزدهراً، وكنت تمر به يومياً، ولما كان موقف باصات الجامعة الأردنية محاذاته، فقد كنت تعرف أسعار الخضار التي لم تكن تشتريها، لأنك لا تطبخ ولا تجيد الطبيخ، ولأن مطعم الجامعة الأردنية يقدم وجبات مقبولة بأسعار معقولة.
ثمة بقايا خضار، بقايا فواكه، بقايا سوق. هل تبحث عن شيء؟ تقول: لعلني أجد الكرز، الكرز يساعد غدة البنكرياس على الإفراز، ومرة قال لك بائع في نابلس: سبع حبات كرز تعادل حبة دواء سكري. وأنت، وأنت منذ سنوات قليلة تشتري في الصيف الكرز فاكهة وعلاجاً، على الرغم من أنك، دائماً، تتذكر قصة زكريا تامر "يا أيها الكرز المنسي"، القصة التي درستها في الجامعة، والقصة التي تذكرك بأصدقاء يساريين غدوا إمبرياليين ووزراء مثل عمر القاسم بطل القصة.
كم مرة كتبت عن القصة، أو أشرت إليها في إحدى مقالاتك؟ لا تعرف. إنها، مثل قصة "الشيوعي المليونير" لنجاتي صدقي، وقصة "اشتراكي حتى الموت" للطاهر وطار الجزائري.
النموذج نفسه موجود في سورية وفي الجزائر، ومن قبل في فلسطين، ما هي نهايات اليساريين؟
الكرز في الضفة منظره يروق للناظرين، وفي سوق الخضار في عمان، بقايا كرز تضطر لأن تشتريه، فقد يساعد غدة البنكرياس على الإفراز، وقد تخف حدة آلام قدميك قليلاً، قد تخف نسبة السكر في الدم، قد.. قد.. وقد.
























