كان المفكر الفلسطيني الراحل ادورد سعيد حريصا على التحذير من أن اتفاق اوسلو سيكون بمثابة السقطة الذي ستنهي كل تطلعات الشعب الفلسطيني.
فمن وجهة نظره كان ذلك الاتفاق أشبه بصفقة بين رجال أعمال، سيكون على الشعب الفلسطيني أن يدفع ثمنها، بعد أن كان قد نجح عبر نضاله الطويل أن يلفت أنظار المجتمع الدولي إلى عدالة قضيته.
كان سعيد يؤكد دائما أن هناك الكثير من العروض السياسية التي قدمت من أجل حل النزاع العربي الاسرائيلي سلميا، سبق وأن وضعت على الطاولة ورفضتها منظمة التحرير مدعومة بموقف عربي متشدد، كانت في حقيقتها أفضل بكثير من اتفاق أوسلو، على مستوى الحفاظ على جزء من الحق الفلسطيني.
غير أن عرفات، وهو الزعيم الفلسطيني التاريخي محاطا بما تبقى من معاونيه كان قد قرر أن ينهي تشرده، ليحق له الموت على ارض فلسطينية، حتى لو كانت رام الله بديلا مؤقتا للقدس.
على اساس ذلك الاتفاق تشكلت السلطة الوطنية الفلسطينية لتدير شؤون الفلسطينيين في جزء صغير من فلسطين التاريخية، غير أن تلك السلطة التي كانت حلا مؤقتا، يمهد لقيام دولة فلسطين صارت بمرور الوقت أشبه بالحل النهائي، حتى بعد أن تعرضت بنيتها التحتية بالكامل للتدمير من قبل القوات الاسرائيلية بعد تسع سنوات من انشائها.
لقد حوصر عرفات من قبل جيش الاحتلال وتم اذلاله أمام انظار العالم. وكان ذلك الحصار بمثابة اعلان صريح بأن الفلسطينيين كانوا قد أقاموا حكمهم الذاتي على أرض ستبقى محتلة، ما دامت الجهات الدولية الراعية وفي مقدمتها الولايات المتحدة لمفاوضات الحل النهائي لا تملك القدرة على دفع الموقف الاسرائيلي خطوة واحدة في اتجاه الانفراج.
ففي كل مرة كان الفلسطينيون والاسرائيليون يذهبون فيها إلى التفاوض تكون النتائج نفسها. حوار سفسطائي تُستبعد منه كل القضايا المصيرية التي تتعلق بمستقبل دولة فلسطين، مثل القدس وحق العودة والمستوطنات الاسرائيلية.
وهو ما يعني أن الزعامة الفلسطينية التي قدمت الكثير من التنازلات من أجل أن يكون اتفاق اوسلو ممكنا كانت قد أدخلت القضية الفلسطينية في متاهة، سيكون الخروج منها في غاية الصعوية، بل ومستحيلا.
وإذا ما كان الانقسام الفلسطيني بين حركة فتح، التي قدر لها ان تقود منظمة التحرير الفلسطينية، وحركة حماس التي انفردت في حكم قطاع غزة قد وضع الشعب الفلسطيني أمام لغز وجود سلطتين، واحدة في رام الله وأخرى في غزة، فقد كان واضحا أن كلا السلطتين لا تملك أي واحدة مهما القدرة على صياغة مصير فلسطيني مستقل، يحظى بدعم ورعاية المجتمع الدولي، بعيدا عن الشروط التي ينطوي عليها الموقف الاسرائيلي.
جوهريا لم يؤد النزاع بين السلطتين إلى بلورة موقف سياسي يتجاوز الفخ الذي اشار إليه أدوارد سعيد. كان الطرفان محكومين بالشروط التي كانت تمليها اسرائيل عليهما. وهي شروط يمليها من يملك السيطرة على الارض على من يقيم على تلك الارض.
اختلف الفلسطينيون في ما بينهم أم اتفقوا فان الامر سواء بالنسبة لاسرائيل.
فلا السلطة في رام الله ولا السلطة في غزة تملكان أوراقا تساعدهما على الضغط على اسرائيل من أجل تغيير موقفها والبدء بمفاوضات مشروطة بالنظر إلى الحق الفلسطيني في اقامة دولة مستقلة.
قد يكون التهديد بحل السلطة الفلسطينية مضحكا، فهو لا يعبر إلا عن عجز الزعامة الفلسطينية عن الايفاء بوعودها للشعب الفلسطيني في اقامة دولته المستقلة على التراب الفلسطيني.
سيكون كل اجراء تتخذه السلطة الفلسطينية، حتى لو كان ذلك الاجراء قائما على حلها متأخرا، بل وغير نافع. وهو ما يعني أن الهروب إلى الوراء لن يلغي تاريخا من المغامرة، غير محسوبة النتائج.
أن يتصالح الفلسطينيون خير من أن يختلفوا. هذا مؤكد، غير أن الاهم أن ينتبهوا إلى ان سقطتهم كانت جماعية وأن خبرة الالم لا يمكن استعمالها إلا من خلال استخلاص دروسها التي تحدد شخصية الآخر. فما دام ذلك الآخر فلسطينيا فان الامور ستظل تجري في طريق غير سوية.
























