غزة " خاص نوى " وسط ضجيج الناس وأصوات السيارات وصراخ الأطفال وهم يلعبون ترقد المسنة "أم إسماعيل" في غرفة لا تتجاوز مساحتها ثلاثة أمتار تحتوى على حمام وسرير بجانبه طاولة من خشب عليها أوانى المطبخ وغاز صغير وثلاجة تحتها حجر لتفادى وقوعها.
لم تتصور المسنة" أم إسماعيل " التي تقطن في مدينة خان يونس بأن القدر يخبئ لها أياما عصيبة وأن فلذة كبدها وقرة عينها سيكافئها بهذه الطريقة المهينة بعد أن قضت عمرها وأفنته في راعيته، فكان جزائها تركها وتجاهلها بشكل مؤلم ومهين.
تسرد أم إسماعيل قصة وجودها في تلك الغرفة التي لا تصلح للعيش قائلة أن أبنها الوحيد ألقاها بهذه الغرفة بعد إصابتها بالمرض وظهور أعراض الشيخوخة عليها، مما أزعج زوجته من وجودها، فطلبت منه أن يخرج أمه من البيت وهددته إن لم يفعل ستخرج هى من البيت تاركه له أبنائه "فكان الخيار أن يتخلى عن والدته مقابل أن تبقى زوجته.
وتقول أم إسماعيل التي تظهر عليها علامات التعب والحزن أن الشتاء الماضي أغرق غرفتها بمياه الأمطار ولم يسأل عنها إبنها وجاء الجيران لمساعدتها ووضعو لها أكياس على سقف الغرفة الحديد الذي يأكله الصدأ لمنع تسرب المياه عليها وأوقدوا لها النار لتدفئتها وقاموا بتوفير بعض من احتياجاتها من شاحن كهرباء وغطاء وغذاء وماء.
وأضافت أم إسماعيل بأنها كثيرا ما تعانى من ألم في جسدها وتطلب من أحفادها أن يأتو بوالدهم ليأخذها إلى المستشفى فلا يستجيب لها قائلة: "كل يوم بموت وأنا بتألم"، وتتابع أنها ترى ابنها مرة بالشهر وصدفت أن رأته قبل أسبوع وقالت له أنها بحاجة إلى دواء وأن يأخذها إلى المستشفى، إلا أن رده جاء: "انشالله بتموتى وبتريحينى، كل يوم انتى مريضة" وتنقطع كلمات أم إسماعيل ليتبعها البكاء المر.
تفتقد أم إسماعيل سؤال ابنها عنها رغم معاناتها منه، فما من أم تستطيع أن تكره إبنها، وليس حالها أفضل من حال الكثير من الأمهات في دور المسنين، فأم رأفت التي تجاوزت الستين من العمر، وبالرغم من ذلك لم يستطع الزمن أن يخفي كل جمالها اللافت للنظر، تجلس على كرسي وتغطي قدميها ببطانية، وبجانبها عكاز خشبي، وتقول أنها اختارت بمحض إرادتها أن تقيم في دار المسنين بعد وفاة زوجها وانشغال أبنائها عنها.
تعبر "أم رأفت" عن غضبها الشديد عند ترحيب أبنائها باقتراح ذهابها إلى دار المسنين ولم يعرض أى من أبنائها أن تقيم معه في منزله قائلة: "أدركت وقتها أن الإنسان ثقيل للغاية حتى وإن كانت الأم"، وتضيف أن أولادها يتعامولون معها وكأنها حيوان في البيت، يقدمون له الطعام وكأن الحياة طعام وشراب فقط.
وتستذكر "أم رأفت" المثل المعروف منذ ألاف السنين "قلبي على ولدى انفطر وقلب ولدي علي حجر"، متعجبة من هذا الزمن الذي اختلفت فيه مفاهيم الأمومة إختلافا تاما عن الماضي حين كانت الأم كبيرة السن تحظى بإهتمام ورعاية فائقتين من قبل أبنائها، أما في العصر الحالى فبات الجحود هو السمة البارزة من قبل الأبناء.
وتستطرد قائلة أن بعض من أبنائها يأتي لزيارتها كل أسبوع أو شهر ومنهم من لا يسأل "أعترف أنني حزينة كثيرا لجفائهم غير المتوقع، ورغم ذلك تدعو لهم دائما بالتوفيق والنجاح، فمهما حصل منهم فإنها لا تستتطيع أن تغضب عليهم مهما كان إجحافهم في حقها.
لم تكن أم رأفت وأم إسماعيل وحدهن من تعانى فهناك مئات الحالات أمثالهن يعانون من جحود أبنائهم وينتظرون بصيص أمل يقرع الباب بزائر مجهول ربما يكون الإبن وربما البنت وربما اليوم وربما غدا وربما يسبقهم زائر من نوع أخر هو الموت.
ملاحظة : القصة مخرج لتدريب حول الكتابه الصحفية الرجاء من القراء وضع ملاحظاتهم حول القصه
























