نوى " المونتور"
على الرغم من الانسجام السياسي بين حركتَي حماس والجهاد الإسلامي في العديد من المواقف السياسيّة التي تدور في فلك الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، إلا أن تنافساً كبيراً يجري في الخفاء بينهما، وذلك بهدف كسب المزيد من المؤيّدين الإسلاميّين والظهور أمام الجمهور بمظهر الحركة الأكثر ملاءمة لتطلعات الفلسطينيّين وآمالهم.
وتتبع الحركتان الإسلاميتان أساليب شتّى من أجل تحقيق هذا الهدف، من بينها: التعبئة الجماهيريّة، وتقديم المساعدات الغذائيّة والماليّة للفقراء، والعمل الدعوي، ومدى التمسّك بالثوابت الفلسطينيّة كالقدس وعودة اللاجئين، وتلبية رغبات الجمهور.
وعلى الرغم من تفوّق حركة حماس على حركة الجهاد الإسلامي شعبياً، إلا أن استطلاعاً للرأي أجراه مركز "وطن" للدراسات والبحوث في قطاع غزّة مؤخراً أظهر تزايداً في شعبيّة حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين وانخفاضاً في تأييد حركة حماس وتمسكاً بخيار المقاومة المسلحة لاسترداد الحقوق الفلسطينيّة.
وتبيّن نتائج الاستطلاع الذي شمل 467 شخصاً من الجنسَين في محافظات قطاع غزّة كافة في خلال الفترة الواقعة ما بين التاسع من شباط/فبراير الماضي و17 منه والذي نشرت نتائجه عبر وسائل الإعلام المختلفة في نهاية آذار/مارس الماضي، أن الجمهور يؤيّد المقاومة المسلحة.
وكانت نسبة التأييد لحركة فتح 32.9%، و23.3% لحركة حماس، و13.5% للجهاد الإسلامي، و4.2% للجبهة الشعبية، و1.5% للجبهة الديمقراطية، و24.6% لا رأي لهم.
وبيّن الاستطلاع أن 60.3% يرون بأن المقاومة المسلحة هي الطريق الأنسب لاسترداد حقوق الشعب الفلسطيني في حال فشل مباحثات السلام الجارية مع إسرائيل.
رفض حركة الجهاد الإسلامي الدخول في أي انتخابات رسمية محلية، يجعل هناك صعوبة في توفر احصاءات دقيقة لشعبيتها في الشارع الفلسطيني، ولكن تظهر استطلاعات الرأي الحديثة ارتفاعاً في شعبيتها مقارنةً بكافة الاستطلاعات السابقة التي كانت تجريها مراكز الدراسات المحلية على مدار الأعوام الماضية.
حيث أظهر استطلاع للرأي اجراه معهد العالم العربي للبحوث والتنمية (أوراد) في 6 يوليو 2010، حول شعبية الحركات الفلسطينية في حال اجريت انتخابات محلية، حصول حركة الجهاد الإسلامي على 1% فقط من أصوات الفلسطينيين.
كلّف عبء الحوكمة حماس شعبيةً على الأرض بينما تتخبّط لإدارة غزة وسط حصار إسرائيلي-مصري مُحكم وسلسلة من الأزمات الاقتصادية والسياسية التي أثارت استياء السكّان المحليّين، ويقول المحلل السياسي إياد عطالله لـ"المونيتور" "فإن حركة حماس تعاني من تدنّ في شعبيتها الجماهيريّة بسبب تنامي السخط الشعبي الناجم عن عدم نجاحها في حل أزمات المواطنين المعيشيّة مثل توفير الكهرباء والوقود وحل مشكلة معبر رفح".
ويوضح عطالله أن "تولّي حماس الحكم في غزّة وإدارة شؤون المواطنين المدنيّة، جعلها تصرف النظر في مناسبات كثيرة عن مواجهة إسرائيل عسكرياً. وهو ما دفع الجمهور المؤيد للمقاومة المسلحة إلى التوجّه نحو حركة الجهاد الإسلامي التي ما زالت تحتفظ بأسلوب الرد المنظم على الاعتداءات الإسرائيليّة".
وكانت سرايا القدس الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي قد قامت في 12 آذار/مارس الماضي بإطلاق 130 قذيفة صاروخيّة محليّة الصنع باتجاه إسرائيل، في إطار عمليّة عسكريّة أطلقت عليها اسم "كسر الصمت" رداً على اغتيال ثلاثة من مقاتليها. وقد شدّدت على أن ردّها "سيكون بحجم الخروقات الصهيونيّة في حال استمرارها".
ويوضح القيادي في حركة الجهاد الإسلامي خضر حبيب لـ"المونيتور" أن تمسّك حركته بالمقاومة المسلحة وعدم منح الشرعيّة لوجود إسرائيل على كامل التراب الفلسطيني وعدم انخراطها في الحكم وعدم مشاركتها في السلطة الفلسطينيّة التي نتجت عن اتفاقيّة أوسلو الموقعة في العام 1993، تعد أسباباً رئيسيّة لزيادة شعبيّة حركته مؤخراً.
يضيف حبيب "نحن حركة ترفض أن تترك إسرائيل من دون عقاب عندما تعتدي على أبناء شعبنا، كذلك نعتبر الخوض في الحكم والسلطة أمراً كارثياً. وهذا هو سرّ تزايد تأييد الناس لنا".
وجاء استطلاع الرأي الذي أعدّه مركز "وطن" متوافقاً مع استطلاع سابق للرأي أعدّته جامعة "علم وصنعت" الإيرانية على عيّنة من سكان قطاع غزّة مكوّنة من 1263 شخصاً، وذلك في خلال الفترة التي تلت جولة القتال في شهر آذار/مارس 2012 والتي قادتها حركة الجهاد الإسلامي ضد إسرائيل.فقد أظهر استطلاع جامعة "علم وصنعت" الذي نشرت وسائل الإعلام المحليّة نتائجه في أيلول/سبتمبر الماضي، تغييراً واضحاً في مواقف سكان القطاع تجاه حركة حماس لصالح حركة الجهاد الإسلامي، وتزايداً في شعبيّة الأخيرة في أعقاب إحجام حماس عن ممارسة المقاومة المسلّحة بعكس موقف حركة الجهاد الإسلامي التي أظهرت رغبة في قتال إسرائيل متمسّكة بخيار مقاومة الاحتلال.
ويقول حبيب إن حركته تتابع باهتمام استطلاعات الرأي التي تتحدّث عن شعبيّتها في الشارع الفلسطيني، معتبراً أن ارتفاع نسبة شعبيّة الحركة يعزّز قناعة قيادتها بأن خيار الكفاح المسلح هو الوسيلة الوحيدة لاسترداد الحقوق الفلسطينيّة كاملة.
من جهته يؤيّد عطالله نتائج الاستطلاع قائلاً إن "حماس تمتلك عناصر أكثر وعتاد أكبر إذا ما قورنت بحركة الجهاد الإسلامي. لكنها لا تسعى إلى إحداث مواجهة مستمرة مع إسرائيل".
ويوضح عطالله أن "أي مواجهة عسكريّة جديدة تعني خسائر ماديّة جديدة تشمل منازل مواطنين وربما مصانع وورش حدادة، ما يتسبّب بزيادة عدد العاطلين عن العمل والذي يحتاجون إلى الإيواء. وهذا من شأنه أن يزيد من أعباء حماس الماديّة".
من ناحيته، يرى المحلل السياسي حسن عبدو أن تمسّك الجهاد الإسلامي بالمقاومة المسلحة واتباعها أسلوب الرد الفوري على اعتداءات الاحتلال على قطاع غزّة، سببان رئيسيان لزيادة الالتفاف الجماهيري حولها.
ويلفت عبدو إلى أن "عمليّة الرد الفوري على جرائم الاحتلال الإسرائيلي، تلهم المواطنين وتثير إعجابهم وتستجيب لشغفهم بعدم ترك إسرائيل من دون عقاب على جرائمها. وهو ما يجعلها عاملاً مؤثراً في زيادة التأييد الشعبي".
إلى ذلك، يرى عبدو أن الجهاد الإسلامي تمسكت بمبادئها السياسيّة على الرغم من كل التغيرات السياسيّة المحليّة والإقليميّة، وقد ظهر ذلك بتمسكها بحليفَيها الحصريَّين سوريا وإيران على الرغم من الأزمات التي يمران بها، "وهذا ما جعل الفلسطينيّين يعتقدون أنها الحركة الأكثر ثباتاً على مواقفها".
إياد عطالله يرى أن استمرار تحالف الجهاد الإسلامي مع سوريا وإيران، يفرض عليها وضع يدها باستمرار على الزناد وعدم الصمت على الاعتداءات إسرائيلية ضد غزة، بهدف إظهار أن هذا التحالف هو الأقرب لطموحات الفلسطينيين.
وقال: "تمسك الجهاد الإسلامي بمحور سوريا وإيران (محور الممانعة)، يعد مصدر قوة بالنسبة لها، خاصة في ظل قلة مصادر التمويل العربية (أموال وسلاح) بالنسبة لها".
ورأي عطالله أن دخول قطر إلى قواعد اللعبة السياسية عبر تحالفها مع حماس، "أمر غير مستحب فلسطينياً"، مضيفاً: "الفلسطينيون يحترمون قطر على ما تقدمه لهم من مساعدات وأموال، ولكن يخشون من أن تتخذ دوراً سياسياً بسبب العلاقات الجيدة التي تربطها بأمريكا وإسرائيل".
























