شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاحد 04 اكتوبر 2026م15:51 بتوقيت القدس

لعبة الحياة

30 مارس 2014 - 16:38
لينا جزراوي *
شبكة نوى، فلسطينيات:

توقِظنا الذّكريات أحيانا، وتُعيدنا لزمن ماضٍ نتعمّد استرجاع لحظاته، خصوصا عندما نشتاقُ لدفء الكلِمات ونتوق لذلك الشّعور بالتوهّج الذّي يرفع المزاج حين تعجز كميات من الأدوية الرافعة للمزاج عن تحسينها، أشخاص مرّوا بحياتنا أثّروا بها، نسترجِع وجودهم فنشعر بدفء غريب يخترِق مسامات الجسد ، فتُصيبنا رعشة أمل ، ونبدأ من جديد

هكذا بدت ذِكرياتي مع لعبة كُرة السلّة، ومُعلّمة التربية الرياضيّة أيام المدرسة ، كُنت (قصيرة القامة) و (طول القامة) شرطاً من شروط لعبة كرة السلة، لكن ذلك لم يمنعني من أن أحب هذه اللعبة  وأتعلّق بها وأن أحلم باتقان مهاراتها، وكنت أقبِل على شُرب الحليب وتناول مشتقّات الألبان والأجبان بأنواعها، ظنّا منّي بأنها ستساهِم في زيادة طولي بضع سنتيمترات تُسعِفني بالانتِساب لفريق المدرسة لكرة السلّة، أدمنت شُرب الحليب، وكانت مُعلّمة التربية الرّياضية في المدرسة تضحَك كُلّما أتيتها لتقيس طولي ، بعد أن أخبرها أنّي شرِبت لتِرين وأكثر من الحليب في الليلة السّابقة.

 كانت كرة السّلة حُلمي الكبير، أردت بقوّة أن أدخُل هذه الرّياضة من بابها الواسِع، وأن يكون انتسابي لفريق المدرسة جسراً للعبور لفضاء الرّياضة االأوسع، رياضة كرة السلّة و نجحت بالانتساب لفريق المدرسة لأنّ مُعلّمتي كانت مؤمِنة بأنّي أهمّ من كثيرات طِوال القامة في الفريق ( أو هكذا أقنعتني) مُعلّمتي الّتي بدت لي وقتها المرأة الخارِقة، قالت لي يوما : صحيح أن الوصول بالكرة للسلة هو الهدف، لكن المهارة تكمُن في درب الوصول وليس في الهدف نفسه، وفي هذا الدّرب تكمُن المُتعة والسّعادة، فاستراتيجية تحقيق الهدف أهمّ بكثيرمن الهدف نفسه .  أهدتني هذه الكلمات ، سعادة نقيّة، خام، وشحنت روحي بطاقة هائِلة لحُب الحياة و برغبة كبيرة بالتحدّي.

(الدّرب) كلمة اخترقت رأسي كالصّاعِقة،  دروب كثيرة في هذه الحياة كانت تشغلني، لكنّ درب الحياة كان أكثر ما شغلني وقتها ودفعني لتعلّم مهارات التّخطيط للعّبة، واليوم أُدرِك أن القِصّة كانت أكثر من مجرّد (لعبة رياضيّة) بل كانت لُعبة حَياة بتحدّياتها ومصاعبها وعقباتها، وأردت أن أتقِن مهاراتها، ولم أنسَ كلام مُعلّمتي.  فصحيح أن السّلة هي الهدف الذي يجب أن لا أزيح ناظِري عنه طوال مدّة المُباراة، إلّا أننا على ارض الملعب نخوض معارِك وصراعات، فهذا الملعب مُلك لمن يفهم أصوله وقوانينه، والهدف هو الوصول بالكرة بأقلّ خسائِر وأخطاء مُمكنة، لأن خطأً واحِداً قد يُخرجك من اللعبة، وهذا يحتاج الى حنِكة و مُراوغة و مهارة، وبأن لا ننسى أبدا بأنّ (البقاء للأقوى والأكثر قُدرة على التحمّل).

أطلقت على خطّة الفريق اسم  (درب السّعادة)، وأصبح كلام مُعلّمتي أيقونة أزيّن بها صدري، و تعويذة أمل فتحت لي فيما بعد الكثير من الأبواب، مُعلّمتي ماتت لكنّ فِكرها ظلّ حاضِراً في داخِلي، ولم يعُد يهَمّني موضوع طول القامة، بل أصبحت أشعُر أنّي طويلة، وطويلة جدّا، وأصبح أمر الوصول بالكرة الى السّلة من أسهل المهمّات الّتي أقوم بها.

وفي الكلية، انتسبت لفريق كرة السلّة وتجاوز المدرّب عن قضيّة الطّول أمام اتقاني مهارات اللعبة، ولم يغِب عن بالي كلام مُعلّمتي التي قالت لي يوما: " تذكّري أنّك في كُلّ مُباراة عليكِ أن تُخضِعي خطّتك لمُستجّدات الخَصم، ثقافتُه، بيئتُه، وحتّى أيديولوجيّته، وعليكِ أن تفهمي كيف يُفكّر، فالاشتراكي يؤمن بالعمل الجماعي، وستكون خطّته مُعتمدة على اقتِسام المكاسِب والانتاج وتوزيع الأدوار، أما البراجماتي، فهو فردي أناني تَهمّه النتيجة فقط حتّى لو كانت على حِساب المقهورين البُسطاء وهو جاهِز للتسلّق على ظهورهم، و الماركسي سيعتمِد على قِوى الانتاج وقد يعلن عليك ثورة وأنت على أرض الملعب ان استغلّيت قيمة انتاجه، وهنا عليكِ أن تُتقِني فنّ اكتِشاف نِقاط ضعف الخصم، و أن تكوني مُستعدّة لواقِع جديد قد يُفاجِئكِ، فلا مكان أبداً لحُسن النيّة، ولا لرقّة المشاعِر، ولا لِرأفة الأحوال، عليكِ أن تُسرِعي والّاستدوسك الأقدام وتخطِف منك حُلمُكِ، والحُلم لا ينتظِر أحداً"

كانت القِصّة كما قُلت لكُم أكبرمن مجرّد لُعبة رياضية، أكبر بكثيرز

 نسيت أن أخبركم عن (نهاية) تِلك الفتاة الطويلة، التي انضمّت الى الفريق بدون أي شروط، كانت مجرّد فتاة طويلة، لكنّ بلادتها كانت تُضيّع على الفريق الكثير من الأهداف، وكُنتُ أختلِق الأعذارلضعفها وأتعاطف معها، واُصرّ أمام المدرّب على أهميّة وجودها في الفريق (طبعي النّسوي غلبني) ، ولم نُطالِبها بأكثرمن التسمّر أمام السّلة لتضع فيها الأهداف، لكن حتّى هذه المهمّة لم تعرِف أن تُتقنها، فلم يعُد ثمّة أهميّة لطول القامة هُنا!

 في النّهاية، خرجت نِهاية من لُعبة الحياة ، أقصِد (لعبة كرة السّلة) مع أنّها طويلة، وبقيت أنا والكثيرات مثلي من قِصار القامة نُخطّط لطِوال القامة دَرب الوصول للهدف، درب السّعادة.

 واليوم أفكّر بتأسيس فريق نسوي لكرة السلّة من اللاعبات القُدامى، مّمن سرقتهن عجلة الدنيا وسياسة الأمر الواقع، أفكّر بصِناعة وقت مُخصّص للفرح، نمارِس فيه لُعبة كرة السلّة، أقصِد (لُعبة الحياة)، ولا يهمّ طول القامة، الأهم هو إرادة الحياة ، والتمّسك بالحُلم.

 * كاتبه وناشطة نسوية اردنية 

كاريكاتـــــير