لم تستطع أي جهة كانت أن تهين منظمة التحرير الفلسطينية كما أهينت الأسبوع الماضي وعلى رؤوس الأشهاد. مع الإعتراف أن خروج الإهانات إلى العلن يتيح لنا التحدث بصراحة عن مكانة المنظمة وبالذات لجنتها التنفيذية. وصف السيد محمد دحلان في مقابلته التلفزيونية الأشهر، الأسبوع الماضي، أعضاء اللجنة التنفيذية “بالمساكين”، وضرب مثلاً حول تعامل رأس المنظمة المهين مع باقي فصائل منظمة التحرير وابتزازهم من خلال المخصصات المالية.
ولم تستطع أي جهة إهانة مؤسسة الرئاسة الفلسطينية كما أهينت على أيدينا. أولاً من خلال خطاب الرئيس أبو مازن أمام المجلس الثوري لفتح ومن ثم على لسان محمد دحلان المفصول من الحركة، حين رد على اتهامات الرئيس وفصل في تقديم بعض الأدلة على فساد إدعاه. كان الأولى بالرئيس أبو مازن أن يترك مؤسسات السلطة من شرطة وقضاء لكي تمارس دورها في ملاحقة ومعاقبة أي مخالف للقانون. كذلك الامر بالنسبة لدحلان، كان الأولى به اللجوء على الأقل لمنظمة التحرير، وليس اللجوء إلى إعلام يتلذذ بعذابنا. رغم إدراكنا الكامل لترهل مؤسسات السلطة وغياب الشفافية والمحاسبة فيها.
هذه المؤسسات التي رفع وزير المالية الأسبق ورئيس الوزراء السابق السيد سلام فياض شعار بنائها لتبرير وتمرير كل القرارات السياسية التي اتخذت في غياب دور فعال للجنة التنفيذية وغياب كامل للرقابة البرلمانية. وصرف السيد فياض مئات الملايين (ربما المليارات) من الدولارت “ليبني مؤسسات الدولة” لنكتشف بعد ذلك أنه لم يترك لنا أي مؤسسة، بل ترك لنا كشعب يعيش على أموال المانحين والمتصدقين إرثاً تقيلاً من الدين ومن ثم غادر إلى اليمن الشقيق “ليبني مؤسساته”.
إن الهيئة الوحيدة القادرة على استعادة ولو بعض الهيبة لمنظمة التحرير الفلسطينية هي لجنتها التنفيذية. وعليها القيام بدورها الوطني الملح في بناء النظام السياسي الفلسطيني على أسس صحيحة، ووقف حالة التدهور الجارية وانعدام الثقة الشعبية فيه.
فلا يكفي تأكيد السيد تيسير خالد أن الرئيس الفلسطيني يحترم اللجنة التنفيذية. الأولى أن لا يتجاوز الرئيس اللجنة التنفيذية. فمعظم فصائلها عارضت العودة للمفاوضات مع المحتل، إلا أن الرئيس تجاهل ذلك تماماً وذهب ليتفاوض بدون مرجعية ولا غطاء سياسي أو شعبي. ولا تتوانى أجهزة أمن السلطة عن اعتقال أنصار بعض الفصائل لتعبيرهم عن رفض سياسات السلطة أو ممارسات أجهزة أمنها.
اللجنة التنفيذية وكأعلى سلطة في النظام السياسي وفي غياب المجلسين، الوطني والتشريعي، هي ماتبقى لنا من أمل في تعزيز المشروع الوطني الفلسطيني. ولابد أن تقوم بدورها بدون أي تأجيل أو تردد أو خجل لتقويم الخلل القائم وإعادة الإعتبار لمنظمة التحرير والقضية الفلسطينية عموماً. نقول ذلك ونعلم أن قوة منظمة التحرير من قوة ووحدة فتح والعكس. وكان تحويل معظم قوة وثقل فتح إلى أجهزة السلطة خطأ كبيراً، نتج مما نتج عنه ما نراه من انقسام وضعف استشرى. وحول كذلك نظام الحكم إلى ما يشبه نظام الحزب الواحد.
أولى الخطوات التي يتوجب على اللجنة التنفيذية اتخاذها: الفصل الكامل ما بين رئاسة منظمة التحرير ورئاسة السلطة الفلسطينية. وليكن تعييناً بالاجماع وبالتشاور مع الفصائل الكبرى خارج منظمة التحرير. وليعين بمدة محددة ويحاسب مباشرة من قبل اللجنة التنفيذية بكامل هيئتها إلى حين انعقاد المجلس الوطني والذي يمثل الكل الفلسطيني في الداخل والشتات. فمع تحول مركز الثقل من المنظمة إلى السلطة ترك فلسطينيو الشتات مكشوفين وخارج منظومة التكامل اللازمة لتفعيل مساهمتهم، وبدون أي حماية أو تمثيل فعلي. فلم يكن اعتباطاً أن أصرت إسرائيل أثناء مفاوضات أوسلو على استثناء فلسطينيي الشتات في النظام الانتخابي. فنمظمة تحرير قوية هي القادرة على لم شمل الفلسطينيين وتعزيز روح الانتماء والهوية.
ثانياً: وضع نظام اداري ومالي شفاف مع هيئة رقابة مستقلة تعينها اللجنة التنفيذية ولا تتبع أجهزة السلطة والتخلص وإلى الأبد من نظام “توقيع الرئيس”. فلا يعقل أن يتحدث المسؤولون وأبناؤهم بالملايين بينما يموت الفلسطينيون جوعاً وقهراً وبطالة في فلسطين وخارجها. ولا يجوز قطع أرزاق أبناء قطاع غزة المحاصر في الوقت الذي يتضخم فيه جهاز السلطة الإداري والأمني في جميع أنحاء العالم. والأدهى من ذلك لوم القطاع وتحميله وزر استنزاف ميزانية السلطة. ولا يجوز أن تقوم السلطة بشراء فيلات بملايين الدولارات كمقرات لسفاراتها بينما يحاصر الفلسطينيون في اليرموك في بيوتهم المهدمة على رؤوسهم ويحتاج الفلسطيني إلى مائة تصريح لإدخال بعض مواد البناء لترميم بيته في صبرا وشاتيلا. هذا للتذكير، فالفلسطينيون ليسوا سكان رام الله فقط.
ثالثاً: التخلص من ثنائية فتح - حماس وذلك بأن تقوم اللجنة التنفيذية بالدور الرئيسي في عملية المصالحة بين الفصيلين. فقبول منظمة التحرير بالوساطات العربية، أضعف دورها وهيبتها وهدم كل ما قاتلت فتح من أجله والمرحوم أبو عمار، الذي دفع ثمناً كبيراً من أجل “القرار الفلسطيني المستقل” وتمكن من فرضه وحمايته لوقت طويل. ولا يجب أن ترتهن القضية الفلسطينية مماحكات الطرفين وربط المصالحة بقبول أو رفض انتخابات تحت حصار واستيطان. وكان الأجدر بأن تلتقط اللجنة التنفيذية مقترح حماس حول إدارة قطاع غزة وتحوله إلى أداة تخدم المصالحة بدل أن ترفضه.
وكما كانت غزة دوماً وعبر التاريخ رمزاً للمقاومة وللعزة فلتكن أيضاً مفتاح لم الشمل الفلسطيني وإعادة الاعتبار لمنظمة التحرير الفلسطينية.
























