غزة- السجن الكبير الذي يبدو مفتوحاً على البحر والسماء رغم انهما مغلقان في وجهه يتنفس يأساً وفقراً وقهراً.
السجن الذي يضم ما يقارب المليون وسبعمائة ألف انسان، تنعدم فيه امكانات العيش "الكريم" وبقرار من السجان يتحول لبؤرة موت بطيء بغض النظر عن الأداة ومن يمسكها.
غزة العصية على الفهم حتى لأولئك الذين يدعون قربهم الشديد منها مثلي، تبدو اكثر تعقيداً مما يصلنا من أخبار وتقارير دولية ومحلية عن الكارثة التي تعيشها.
زرتها في العام 2012 وزرتها قبل أيام وشتان بين الحالين، لا زال اهلها يتطرفون في كل شيء، يحبون حتى الموت ويعادون حتى الموت.
يتطرفون في القسوة على ذاتهم ويتطرفون في المغفرة لمن ذبحهم- هذه هي غزة، ولنا ان نحبها او نكرهها كما نشاء شريطة ان نعرفها.
لغزة- السجن نافذتان، أحداها تطل على دولة العدو تغلق وتفتح بأمره، وبحسابات خاصة كي لا تنفجر في وجهه، والثانية تطل على دولة شقيقة قررت أن تعاقب المساجين جميعاً وأيضاً بحسابات خاصة!
وداخل غزة السجن، سجان آخر سجين ومحاصرولغزة أيضاً سجان ثالث تحيطه قضبان سجن غير مرئية، ورابع وخامس وسادس في الشرق والغرب والجنوب والشمال. غزة سجن لكل العالم المتحضر والرجعي يتفقون عليه ويختلفون فيما بينهم وهي ايضاً حسابات خاصة!
ما يهمني في الأمر هنا هم السجناء الذين لا يفعلون ما يفعل العاطلون عن العمل كما يقترح محمود درويش "يربون الأمل" بل يربون اليأس والاحباط واللا غد واللا مستقبل.
السجناء يموتون ببطئ، يتقاتلون بسبب وبدون، "يترملون" – نسبة لحبوب الترامال المخدرة- ليهربوا من واقعهم الذي لا يحتمله بشر، ينتحرون، ويزدادون تطرفاً.
السجناء في غزة يحقدون على حركة حماس ويلومونها لتردي أوضاعهم، ولكنهم يدركون أنها ليست الوحيدة التي تتحمل هذا الوزر فالجميع شركاء، السجناء في غزة يلومون الرئيس- رئيسهم الذي انتخبوه- فأعمل فيهم سلطته وقطع أرزاق بعضهم وتمنع عن اتخاذ قرار تاريخي بزيارتهم ووضع حد للانقسام البغيض وتركهم وحماس ليتقاتلا، السجناء في غزة يلومون حكومة رام الله التي تدعي انها تقدم لهم نصف المعونات التي تصلها بينما الفقراء يتضاعفون، والمرضى يموتون، والكهرباء والماء النظيف أصبحتا ترف وللأثرياء فقط.
في غزة التقيت بمن يدعم دحلان رغم كرههم له- فقد يكون لديه الحل والمخرج، فعلى الأقل هو من يدافع عن غزة واهلها، في غزة التقيت بمن يدعم الرئيس لأن بيده قرار انهاء الانقسام ويتحكم في رواتبهم، وفي غزة رأيت من يدعم حماس فالبديل مخيف، جربنا فتح فخذلتنا، ونخاف من داعش والقاعدة، وفي غزة ارتعبت، فمن دعم حماس في الماضي ورآها خذلته، تحول لدعم السلفيين بكل فرقهم!
في غزة تساءلت كيف لا يتحول مليون شخص إلى مشاريع استشهاديين/انتحاريين- لنسمهم كيف شئنا، فقد ينفجرون في أقرب الناس إليهم لو وعدوا بالجنة وبعهد رعاية عوائلهم من بعدهم.
في غزة تساءلت لماذا لا ينفجر الناس وينتفضون؟ لن ينتفضوا، ليس خوفاً من حماس، بل لأن لا أمل في ان أي انتفاضة ستجلب لهم بديلاً أفضل. لن ينتفض اليائسون والمحبطون، ينتفض فقط الغاضبون، ولكي يتحول اليأس إلى غضب الناس بحاجة لامل، والامل في هذه المرحلة التي تغيب فيها القيادة بكل أشكالها حلم.
وحماس لن تسلم السلطة على طبق ذهب ولا خشب، ولن تركع للضغوط كما يراهن البعض– هذا ما رأيته هناك- المأزوم انتحاري يا سادة!
المزيد من الحصار والضغط على القطاع هو قتل بطيء لأهله وليس لحركة حماس، لا أرى حلاً في الأفق إلا بانهاء الحصار الاسرائيلي– جريمة الحرب اليومية ضد اهلنا هناك- وانهاء الحصارهو مقدمة اعادة الكرامة لأهل القطاع، اعادة الامل بأن هناك مستقبلاً أفضل للأحياء فيه وللأجيال القادمة. انهاء الحصار الاسرائيلي أهم من ادخال شاحنة مساعدات هنا وأخرى هناك، انهاء الحصار يعني إعمار القطاع، وعودة الكهرباء، واصلاح الوضع الصحي والتعليمي، وتحرير غزة السجن الذي يحيطه ألف سجان.
ولكي لا ابدو متجنية كثيراً على غزة، فرغم كل ظروف القهر والموت، الناس تبحث عن الفرح، فتحتفي ة بولادة صغير، افتتاح مكتب، نجاح في المدرسة، عيد ميلاد، حفل زفاف، يخرجون للبحر كثيراً ويلقون همومهم عليه، يتندرون على واقعهم، ويضحكون، يحرمون العائلة من وجبة دسمة يرونها في الشهر مرة ليطعموا ضيفهم. في غزة كل أسباب الموت، وفيها كل أسباب الحياة.
يا غزة نحبك أيتها اللعنة، ونشعر بالتقصير فقد أدركنا التعب فسامحينا.
























