إذا أردت أن تتابع آخر الأخبار والمستجدات السياسية، والاجتماعية، والاقتصادية والحالة النفسية والمزاجية للناس، عليك فقط بإنشاء حساب لك على الشاشة الصغيرة لا يستغرق سوى هنيهات لتكون في قلب الحدث وصلب القضايا بجميع أشكالها وألوانها.
لم أتحدث هنا عن كل مواقع وأدوات التواصل الاجتماعي لأخص بالحديث فقط عن " الفيس بوك" الذي أصبح بلا منازع البطل والصديق والمرافق والأنيس بل الاخصائي النفسي، وأداة تفريغ لما يجول في خواطرنا وعقولنا من أفكار ومشاعر وأحاسيس بل تعدى الأمر لأكثر من ذلك؛ حيث أصبح ساحة عرض كبيرة لكل المنتجات بأصنافها وأنواعها بدء من خطوط الموضة والاكسورارات والمكياج وأصول الطهي وجملة من الإبداعات الفنية والأدبية الأخرى.
مما لا شك فيه بأن التكنولوجيا أضحت لغة العصر وعلينا أن نساير هذه الموضة بكل ما استطعنا اليه سبيلا، ولكن لكل وسيلة لها وما عليها، لقد ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في سبر غور الغربة وقصرت المسافات إلى أدني درجة ليصبح العالم ليس قرية صغيرة بل _ شارع صغير_ ووصلت ما قطعه الحصار وأفسدته السياسة وعززت العلاقات الاجتماعية مع القريب والبعيد على حد سواء.
ولكن على الرغم من المميزات التي اغدقتها علينا هذه التكنولوجيا كما سلف ذكره إلا أنها جلبت لنا الكثير من المشكلات ولست هنا بصدد رصد تبعات سوء استخدام التكنولوجيا وما جبلته من خراب للبيوت من خيانة واستنزاف للوقت بطريقة سافرة ولكن أتحدث هنا عن جوانب أخرى أرى فيها من وجهه نظري الشخصية أنها انتهكت وتغلغلت في المساحات الخاصة للشخصية سيما المتعلقة برقعة المشاعر والأحاسيس فقد أصبح الفيس يحل محل الطبيب النفسي ليقوم مرتادوه بالتنفيس عن مشاعرهم بل المبالغة في وصف حالتهم المزاجية التي تتراوح ما بين التفاؤل تارة والتشاؤم والإحباط تارة أخرى.
وبامتلاكنا لهذه الطريقة السهلة المتاحة للتفريغ عن انفسنا هل من الممكن أن تحل وتعوضنا عن اللقاءات المباشرة مع الصديقات والأهل والأقارب، ومعظم اللقاءات وان حدثت تبقى لقاءات صماء بلا مشاعر فياضة وتفقد في العديد من الأحيان الحميمية وتصبح في الغالب في عداد المجاملات الاجتماعية.
من جانب آخر أتحفظ على العديد من الصورة الشخصية التي تنشر بطريقة مبالغ بها، عبر هذه النافذة والتي لم تعد تمثل مخزن الأسرار ومكمنها في ظل ما يتبارى لسمعنا بين فينة وأخرى من طرق قرصنة ورقابة وسرقة حسابات شخصية ما تشكل انتهاكاً للخصوصية.
أطباق الطعام الشهية هي أيضا من ضمن ملاحظاتي بأنها تشكل إسراف اجتماعي في ظل موت آلاف من البشر جوعى وأعتقد أن ظهور هذه الأطباق فيها عدم مراعاة شعور غير القادرين على تناول مثل هذه المأكولات الشهية والنوعية، وحينما انتقدت هذه الخصلة مع ثلة من الصديقات قوبلت بإجابة غير مقنعة من قبل البعض والتبرير لذلك بأن الفقراء لا يمتلكون أجهزة حاسوب وليس لديهم حسابات وهذا يجافي الواقع المعاش والملموس فمعظم البيوت لا يكاد يخلومنها هذا الجهاز والذي أصبح ضرورة توازي الهواء والماء في الحياة.
وأتمنى أن تكون كلماتي هذه بمثابة طرقة باب لمن اقتنع بهذه الكلمات أن يحاول تغيير بعض السلوكيات الخاصة باستخدام هذه التكنولوجيا والتي تأتي من قبل الحق في حرية الرأي والتعبير وإبداء وجهات النظر في بعض القضايا المكفولة ليست بحكم القانون فحسب بل بحكم المودة والمحبة كذلك.
























