شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاثنين 17 يونيو 2019م00:33 بتوقيت القدس

الصوّاف.. 200 سنة مع البساط اليدوي وصنعته تصل البيت الأبيض

13 يونيو 2019 - 07:20
رشا بركة
شبكة نوى، فلسطينيات:

غزة:

"لا أبالغ إذا قلت أن صنعتي هذه عمرها فوق الـ200 سنة، كيف لا وأنا وعائلتي اسم على مسمى"، قال الحاج محمود الصوّاف عن مهنته في صناعة البساط اليدوي التي ورثها عن جد والده قبل مئات الأعوام، "قبل أن تأتي إسرائيل وتنكُب بلدنا بسنوات طويلة".

تحت منزله في ساحة الشوا بحي الشجاعية وسط مدينة غزة يُداوم الحاج أبو حنفي معظم أوقاته منذ صغره في معملٍ صغير ورثه عن أجداده، ورغم أنه مرّ من عمره ثلاثة وسبعون عامًا، إلا أنه لا يزال يُقيم في هذه الموروث "المقدس الأصيل" أكثر من منزله.

صغر مساحة المعمل لم تمنع أصحاب الذوق العالي والمتشبثين بالبساط اليدوي كشيء له قيمة تفوق قيمة الذهب والماس، لم يمنعهم من أن يحجوا إلى الحاج الصوّاف، ليقتنوا المزيد من سجاده الذي وصل حتى لمنازل الأجانب في أكثر من دولة بالعالم، من بينها "أنه وصل البيت الأبيض"، كما روى الصوّاف لشبكة "نوى".

عمرها وكيف لم "يخنها"

يقول: "كنت في المدرسة حينما بدأت أشق طريقي في هذه الصنعة، لم تكن لتمنعني بأن اّخذ حقي في التعليم، تعلّمت وتخرجت وكمّلت مع والدي فيها وإلى اليوم".

أضاف: "مضى من عمري 73 سنة، هذه الصنعة ورثتها عن والدي الذي ورثها عن جدي الذي ورثها عن أجدادي من قبل، لا أبالغ حينما أقول أن عمر صنعتنا فوق الـ200 سنة، يعني حسبتها وصلت لـ 200 وما قدرت أكمل حسبة للأقدم، وإلا لوصلت لأكثر من هذا الرقم".

وما يحفظ صنعة البساط اليدوي هو تمسك الحاج الصوّاف وحفاظه على كيفية تصنيعه والخام المستخدمة فيه منذ الأزل، فهو لم يخن هذه الصنعة بإدخال الحرير أو أي مادة غير الصوف فيها، وكما يقول: "أنا كما كان أجدادي أستخدم آلة النول اليدوية لصناعة كل أنواع البسط اليدوي بكافة أشكالها وألوانها وتصاميمها المختلفة".

عن عمر معمله قال: "عمره طويل جدًا أنا سجلته كمعمل في البلدية عام 1983، لكن هو قديم جدًا وهو من أيام جد جدي، ولم أغيّر فيه شيء سوى أنني ألغيت الحفرة التي كان يقف فيها جدي وأبي ليشغل البساط وأصبحت أصنعه على سطح الأرض".

منذ عام 1988 بدأ الصوّاف بإدخال صناعة السجاد اليدوي إلى جانب البُسط، كلاهما يتميزان بأن أسعارهما مرتفعة، ليست في استطاعة الجميع، وعن هذا يقول: "الشيء غالي وثمين وأقل شكل ومساحة بساط متره من 80 إلى 100 دولار".

في بدايات عهد السلطة الفلسطينية وقدومها إلى قطاع غزة شكّلت تلك الفترة حقبة ذهبية بالنسبة للصوّاف، قال عنها: "اشتغلنا للوزارات والمسئولين والقيادات لبيوتهم، كان شغلنا يجني ذهبًا".

الحقبة الذهبية لصنعته

لكن الأوضاع السياسية والاقتصادية التي نجمت عنها أتت على هذه الصناعة لفترة ليست بالقصيرة عند معظم الغزيين، الذين لم يعد بمقدورهم شراء واقتناء هذا النوع من في منازلهم، هذا بالإضافة إلى إقبالهم على السجاد الرخيص المباع في الأسواق.

لكن الصوّاف يؤكد أن للبساط والسجاد اليدوي زبائنه الذين لم ينقطعوا عنه، خاصة أصحاب "المقامات العالية" في البلد والأجانب والمؤسسات العاملة بالقطاع.

عن هذا تحدث الصواف: "لا أُخفي أنه السنوات الماضية تراجع الشغل لدينا بسبب وضع الناس، لكن اليوم في عودة للتراث، الناس أذواقهم عادت لكل شيء كلاسيكي وتراثي، البساط عاد يأخذ قيمته بقوة حتى في المحلات وليس فقط عندنا، لكن شيء عن شيء بيفرق".

استطرد بفخر: "البساط اليدوي يعيش عشرات السنوات، ليس أقل من 40 لـ50 سنة، فهو من الصواف الخالص ونقشاته متنوعة تعيش مع كل الأجيال ولا يمكن أن تنتهي لوقت ما، أما غيره من السجاد فمهما كانت بلده وصناعته لا يعيش سوى بعض السنوات".

استطرد: "الأجانب يعتنون بالبساط بشكل جنوني، وزبائني منهم كُثر ودائمين، هم يعتبرونه شيء كبير وله قيمة كبيرة، فهم يقدسون العمل اليدوي ولهذا يقتنونه في بيوتهم، ليس فقط في بيوتهم فبساطي وصل البيت الأبيض".

كيف وصلت للبيت الأبيض

ردّ بحزم على تساؤلنا فيما إن كان مازحًا: "أمزح! أنا لا أمزح في الجد، فالقنصلية الأمريكية في القدس التي تم ضمها اليوم للسفارة، تأخذ منها كمية من البساط كل سنة ويتم فرش بعضها في مقر القنصلية، والآخر يتم بيعه للأجانب الذين يزورون القنصلية بأضعاف مضاعفة".

تابع "المسئولون أنفسهم أبلغوني بهذا، باعوا منه وأوصلوا كمية إلى البيت الأبيض، وهنا أريد أن أقول أنني أتعامل كتاجر ونحن منفتحون في أذواقنا، ولا يعنيني حينما أبيع البساط أين سيضعه، بالإضافة لهذا الأمر غير مقتصر على الأمريكان فالصليب الأحمر الدولي والمؤسسات العاملة في غزة يقتنون البساط من عندي باستمرار".

عن طبيعة النقشات التي تدخل في تشكيلة البساط اليدوي قال: "لا يوجد نقشة بعينها، نحن منفتحون في أذواقنا كما قلت، ونشكّل وفي نفس الوقت نحافظ على نقشات معينة لها موروث تراثي وثقافي، لكن الأهم أننا نستخدم الصوف الطبيعي والصوف الطبيعي فقط".

الصوّاف يستورد الصوف الطبيعي من إنجلترا منذ سنوات طويلة، ورغم أن الاستيراد توقف حاليًا إلا أنه قال: "أملك مخزوناً كبيرًا منه".

ولن يوقف هذا الرجل صنعته عند عمر معين وهو لن يسمح بأن تنتهي بانتهاء عمره، ولهذا قال: "أولادي وأولاد أخي يعملون معي في المعمل، وهذا شيء متجذر فينا لأن صنعتنا القديمة ستبقى لكل أجيالنا وهي غير مرتبطة بعمر أحد فينا، كيف لا ونحن عائلة الصوّاف، اكتسبنا اسم عائلتنا من صنعتنا وهذا شرف كبير لنا".

خلال حديثنا معه حضر وفدُ أجنبي لزيارة معمله وشراء البسط، حينها استسمح بالقول: "جاءني ضيوف وهم زبائني، "أستأذنكم" وأنهى حديثه الودي.

لنــا كلـــمة
كاريكاتـــــير