شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاثنين 17 يونيو 2019م01:52 بتوقيت القدس

أقدم فنادق الزمن الجميل.. إليكم حكاية مارنا هاوس

10 يونيو 2019 - 09:21
مها شهوان
شبكة نوى، فلسطينيات:

غزة:

عند الدخول إلى فندق "مارنا هاوس" وسط مدينة غزة، يشعر الزائر أنه في رحاب منزلٍ قديم، لاسيما والحجارة العتيقة والديكور توحي بذلك، عدا عن حديقته الصغيرة والأشجار العالية، حين يحتسي أحد الزبائن كوب القهوة يظن أنه في حديقة منزله.

فندق "مارنا هاوس"، دوماً يشهد انعقاد العديد من الورشات والاجتماعات والحفلات الصغيرة، فهو لا يشبه بتصميمه الفنادق والمطاعم المتواجدة في قطاع غزة، فعبق الماضي يفوح من جنباته خاصة وأنه مرتبط بتاريخ المدينة العريق.

بحثت "نوى" عن تاريخ الفندق، وجدت أنه تأسس عام 1945، على يد السيدة مارجريت سليم نصار من مدينة الناصرة، التي حضرت لمدينة غزة في فترة الأربعينيات وأقامت فيها هي وزوجها الذي كان يعمل مهندساً، وبعد فترة قصيرة توفى زوجها فاضطرت أن تؤجر بعض غرف منزلها لتعتاش منه، لتقرر بعدها بناء فندق "مارنا هاوس" في موقعه الحالي على أرض كانت مملوكة لزوجها.

يقول سليم المبيض الباحث والمؤرخ الفلسطيني أن فندق المارنا هاوس من أقدم الفنادق قطاع غزة، ومالكته مارجريت ذات الأصول الأرمنية جاءت لتسكن غزة وبعد ذلك حولت بيتها إلى فندق.

وذكر المبيض لـ "نوى" أن سبب اختيار اسم "مارنا" لتطلقه السيدة مارجريت على فندقها يرجع إلى الإله "مارنا" رب الأرباب السبعة في قطاع غزة، وتم العثور عليه قبل فترة في منطقة "تل العجول" جنوب مدينة غزة، وما زال موجوداً.

وأكد المؤرخ أن "مارنا هاوس" كان من أقدم خمسة فنادق في قطاع غزة، إلى جانب "لوكندة الفرح، والمحطة، كازينو الليدو"، وجميعها تشبه البيوت العادية لكن بعدد غرف كبيرة.

وتأكيداً على ما أورده المبيض، فإن بناء فندق "مارنا هاوس" وقتها كان متواضعاً، وعدد غرفه لا يتجاوز 6 غرف بالإضافة إلى مطعم وكراج، وكانت السيدة مارجريت مقيمة في الفندق وهي من تديره، وبدأت بتطويره على مراحل حتى وصل عدد الغرف إلى 12، وكان أغلب روّاده من البعثات الدولية والصليب الاحمر، وزاد الإقبال عليه لدرجة أنها استأجرت جميع الأبنية المحيطة بالفندق لعدم قدرة الفندق على استيعاب نزلائه في فترة الستينات والسبعينات.

وكانت صاحبة الفندق سيدة مجتمع تحب غزة كثيراً وتتأثر بجميع قضاياها، واستطاعت أن تحافظ على علاقاتها مع الجميع حتى أصبح فندقها يُلقب باسمها " فندق مدام نصار"، وقِبلة لجميع الأجانب الذين يحضرون للقطاع.

وترجع أهمية ومكانة فندق "المارنا هاوس" الذي يقع على بعد أقل من كيلو مترين من شاطئها، ليس لكونه مَعلَماً في مجال السياحة والفندقة، واستطاعته الصمود أمام تحديات الأحداث السياسية التي مر بها قطاع غزة والكفيلة بانهيار أية مشاريع سياحية؛ وإنما لكونه كان مطبخاً سياسياً، وقِبلة للبعثات الدولية والصحفيين الدوليين وكبار المشاهير من الفنانين والسياسيين العرب والأجانب الذين حضروا إلى قطاع غزة، وكذلك كان مركزاً لاجتماعات جميع قوى وفصائل العمل الوطني الفلسطيني قبل مجيء السلطة الوطنية.

ومن أبرز المشاهير والشخصيات البارزة التي زارت مدينة غزة وأقامت في فندق "مدام نصار"، الملكة دينا زوجة الملك الحسين بن طلال ملك الأردن، كما أقام فيه الأديب الكبير "طه حسين" والصحفي العالمي "روبرت فسك" والمطربة "شادية" وسندريلا الشاشة العربية "سعاد حسني"، والعديد من الشخصيات العالمية التي أقامت وتركت ورائها ذكريات جميلة قضتها في فندق مارنا هاوس.

كما شكّل مقراً مهماً للساسة في فترة الانتفاضة الأولى حيث كان المكان الوحيد الذي تبث منه كافة المقابلات الصحفية والحوارية مع جميع قادة النضال الوطني الفلسطيني، "وإذا أردت معرفة الخبر اليقين في غزة فمن المارنا هاوس".

بعد وفاة السيدة مارجريت عام 1982م، قامت صديقتها السيدة مليكة الشوا بشراء الفندق بناء على وصيتها وحافظت عليه، ولكنها أوكلت إدارته للسيدة علياء الشوا ابنة عمها لأنها لم تكن مقيمة في غزة، وأقامت السيدة علياء في الفندق وأدارته من عام 1982 حتى عام 1995، ولكنها استعانت بمديره الحالي باسل الشوا لإدارته عام 1993 لإصابتها بوعكة صحية، حتى تمكن من شرائه وامتلاكه من ورثتها عام 2014 ، وبدأ يحقق أحلامه في تطويره ومواكبته لكل ما هو جديد بجانب المحافظة على عراقته وعبق ذكرياته، فكان أول من استحدث تطبيق هو الأول من نوعه في فلسطين لتسويق قائمة أطعمة ومشروبات وعروض الفندق إلكترونيا.W

ومن أقدم العاملين في الفندق الطباخ "رضوان ياسين" – 82 عاماً - يصفه الجميع بالأب الروحي للمكان، كونه عمل فيه منذ كان عمره سبع سنوات، حين كان والده يعمل مع السيدة مارجريت حارساً ومزارعاً، وطلبت منه أن يحضر لها عاملاً تثق فيه وتعلمه طبيعة العمل الفندقي، فأحضره والده فتعلم جميع الأعمال الفندقية حتى أصبح مسؤولاً عن المطبخ.

يقول ياسين لـ "نوى" الذي قضى أكثر من سبعين عاماً في العمل داخل فندق ميرنا هاوس:" جاءت العديد من الشخصيات العالمية للإقامة في المكان وجميعهم ترك ذكريات جميله"، متابعاً: كان الفندق في الزمن الماضي وجهة الساسة والفنانين وجميع المشاهير للإقامة فيه وكان يلحقهم المعجبين للحصول على صورة تذكارية أو توقيع أوتوغرافي".

وفي سؤاله حول التقاطه صورة مع الفنانين أو حصوله على توقيع منهم كبقية الجماهير، ضحك، وذكر أنه لم يكن يرغب في إزعاجهم فهو يدرك أنهم يعودون مجهدين من الأماكن التي يقيمون فيها حفلاتهم، فيكتفي بتقديم الطعام والشراب لهم ومبادرتهم بألطف العبارات الترحابية.

ويتذكر أقدم العاملين في فندق مارنا هاوس، كيف لحقت الجماهير الفنانة صباح "الشحرورة" بعدما أنهت حفلتها في سينما السامر، فالجميع أراد التقاط المزيد من الصور، كما ويتذكر سعاد حسني حين جاءت حيث كان يفرح كثيراً بالنجوم رغم اعتياده على رؤيتهم دوماً، خاصة الفنان محمود شكوكو.

يقول ياسين:" دوما أتذكر السيدة مارغريت صاحبة الفندق وتعاملها الحَسن مع العاملين الأمر، الذي ورثه منها كل من أشرف على إدارة المكان"، مشيراً إلى أنه في يوم الإجازة ينتظر عودته للفندق فهو قضى عمره بين جنباته وعاش فترة انتعاشه والظروف الصعبة التي مر بها بفعل الاحتلال الإسرائيلي.

وما زال الشيف الثمانيني ياسين يروي لأحفاده الذين غدوا شباباً، الكثير من الحكايات التي عاشها في "مارنا هاوس"، عدا عن رؤيته للعشرات من الأمراء والوزراء والمشاهير، وكيف كانت رؤيتهم أمراً اعتيادياً غير مستهجن بالنسبة له.

 

 

لنــا كلـــمة
كاريكاتـــــير