شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاثنين 17 يونيو 2019م01:31 بتوقيت القدس

عن عيد غزّة الباهت في زمن الحصار

08 يونيو 2019 - 14:59
مرح الوادية
شبكة نوى، فلسطينيات:

غزة:

ارتدت شوارع قطاع غزّة زينة العيد منذ أيام، أشعلت الأضواء الملوّنة بشتى أنواعها على طول شارع عمر المختار وحتى الجندي المجهول وسط غزّة، كالعادة، تصدح أصوات التكبيرات من مآذن المساجد في السّماء وعلى الأرض يغنّي الأطفال مع مكبرات الصوت على أبواب المحال "أهلاً أهلاً بالعيد، العيد فرحة وأجمل فرحة"..

دون شك، تبدو ملامح العيد هذه المرّة باهتة، لا يشبه أعيادنا السابقة الآخذة بالركود عاماً بعد عام، منذ بدء فرض الحصار الإسرائيلي على قطاع غزّة قبل 12 عاماً، فمعظم الشباب عاطل عن العمل، وجزء آخر أنهى دراسته الجامعية ودراسته العليا ليصبح عاملٌ على بسطة قهوة توفّر له مصروف يومي يسند به نفسه وعائلته أيضاً، وأما الأخير؟ يسير الآن في مراكب الموت عبر البحار بحثاً عن بلد يظنونه آمن.

"العيد يكون يوم أن نجلس مجدداً على مائدة واحدة كأسرة دون تشتت"، هكذا ردّت أنعام عبده، وهي أم لسبعة من الأبناء هاجر منهم خمسة طلباً للحياة الكريمة لكنّهم ما يزالوا يعانون، غير مستقرين كل منهم في بلد، يحاول الحصول على اللجوء من دون جدوى حتى اليوم.

تقول الحاجة إنها لا تشعر بالعيد بسبب الظروف التي أرغمت أبناءها على الرحيل إلى الخارج، حضّرت الكعك والمعمول وجلبت الشوكلاتة وزيّنت المنزل، وتجهّزت لاستقبال المهنئين لكنها لم تجد من يصحبها لأداء صلاة العيد لأن ابنتها الكبيرة متزوجة الثانية مريضة.

"ذهبت مع الجيران وأبنائهم، والحسرة في قلبي"، تضيف أنعام التي عادت تتذكّر كيف كانت تيقظ محمّد وحمادة وهيثم ويوسف للذهاب سوياً إلى صلاة العيد ثم العودة لتناول طبق الفسيخ مع طاجن البندورة المقلية بزيت الزيتون، ثم استقبال المهنئين وبعدها الزيارات العائلية والعيديات مع تناول أطباق الكعك، طقوسٌ تلاشت بفعل ممارسات الاحتلال بالتضييق على سكان غزّة وعملية قتلهم البطيئة الممنهجة.

وفق بيانات للجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، فإن نسبة البطالة في قطاع غزّة بلغت خلال العام الماضي 52% مقابل 44% في العام السابق عليه، وكان لافتاً انخفاض نسبة العاملين بأجر في القطاع الخاص، الذين يتقاضون أجراً شهرياً أقل من الحدّ الأدنى للأجر إلى 72% العام الماضي مقابل 81% في العام السابق عليه، إذ يبلغ معدل الأجر الشهري في غزة 671 شيكلاً إسرائيلياً. (الدولار = 3.60 شيكلات).

هدى عيد 27 عاماً تقول إنها لم تر العيد إلا في الشوارع وفي ضحكات الأطفال، لكن الواقع مختلف تماماً عن الظاهر، فما بين الفقر والبطالة والحصار والانقسام الذي تزيّنه الأضواء ثمّة غصّات تملأ قلوب أصحابها غل وألم، لا مال لتقديم العيديات ولا لكسوة الأطفال ولا لشراء الحلوى ولا حتى لصنع الكعك والمعمول.

وتضيف: "البيوت مستورة، ممتلئة بالحزن والهموم، لكن العيد يسير على قدميه فقط بالذهاب إلى المراجيح وإلى البحر وإلى المتنزهات المتواضعة في كل منطقة".

لؤي شاب آخر من غزّة سافر إلى تركيا قبل عدّة أشهر، يبلغ من العمر 22 عاماً، لم يستطع أن يشارك حزنه مع أصدقائه المغتربين والقائمين في غزّة حتى الآن، يقول إنه كان يصلي العيد في كل عام ثم يعود لمنزله يقبّل أمه وأبيه، يفطر معهم "السماقية" وهي أحد أشهر الأكلات التي تشتهر فيها غزّة، تطهى في المناسبات السعيدة وفي الأعياد تقدّم إلى جانب "الفسيخ وقلاية البندورة".

يضيف: "كنت أصلي في مسجد اسمه كاتب ولاية بجانب كنيسة شرق غزة بصحبة أولاد عمي وعددهم حوالي 10، كنا نضحك ونسعد في تكبيرات العيد" ثمّ يعودون جميعاً إلى المنزل، ينظفون ممره المقابل للشارع تماماً، يرتدون أزهى الثياب ويستعدون لاستقبال الضيوف في بيت الجدّ الكبير، كل واحد منهم يجلب معه نصيب الضيوف من الشوكلاتة والكعك والمعمول.

هنا كانت تبدأ طقوس التجمّعات في العيد عند عائلة لؤي، يحضر والده القهوة التي تفوح رائحتها الممتلئة بالهيل والمسك إلى أول الشارع، كان يعيّد اخوته الصغار كل واحد 5 شواكل، يسعدون فيها وهو كذلك خصوصاً أن يحدث ذلك كله بلمّة العائلة من الأعمام وأولاد العم الذين يذهبون بعدها إلى العمّات والأخوات والخالات اللاتي يتسابقن في تقديم نفس الأطباق الممتلئة بالكعك مع القهوة، وبالطبع ليس عليهم إلا تذوّقها وإلا تزعل إحداهن.

ولم تنته الطقوس إلى هنا، وإنما تمتد إلى فقرات المساء التي يجتمع فيها الأطفال والشباب على تناول ساندويش الشاورما المغمّس بالطحينة، ثمّ الذهاب إلى أحد المقاهي التي تعجّ بالناس للسهر وتبادل القصص والحكاية والأغاني أيضاً، "كنت وكنت وكنت لكن للأسف أنا الآن أفتقد كل هذه الطقوس المخالفة لواقعي في الغربة" بصفعة واحدة من الذكريات يقول لؤي بأسى.

وخلال الأشهر الماضية التي بدأ معبر رفح يعمل فيها بشكل منتظم، تم رصد زيادة عدد الغزيين الذين غادروا القطاع ولم يعودوا إليه، حيث خرج 36 ألف فلسطيني من معبر رفح، ولكن حتى اليوم لم يعد سوى 17 ألفا منهم، أي أن واحدا من كل اثنين خرجوا من القطاع قرروا الهجرة إلى الخارج، بحسب تقرير أعده مراسل صحيفة يديعوت أحرونوت العبرية ليئور ليفي.

ورغم أنه لا تتوفر إحصائيات رسمية حول ظاهرة هجرة أهالي غزة إلى الخارج، فإن مصدراً في مكتب نقابة المحامين بغزة أشار لمصادر صحفية إلى أن النقابة تستقبل يومياً مئات الطلبات للحصول على جوازات السفر، تمهيداً للتسجيل الإلكتروني في مكاتب وزارة الداخلية لحجز بطاقة السفر للخروج من معبر رفح.

لنــا كلـــمة
كاريكاتـــــير