شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاثنين 17 يونيو 2019م01:28 بتوقيت القدس

كعك العيد في غزّة.. بالدين!

31 مايو 2019 - 20:43
مرح الوادية
شبكة نوى، فلسطينيات:

قطاع غزّة:

ما أن تمر على معظم الدكاكين في قطاع غزّة، إن لم يكن جميعها، حتى تدرك عزيزي القارئ / عزيزتي القارئة إلى أين أدّت سلطات الاحتلال الإسرائيلي بشباب غزة ونسائها وأطفالها ومسنّيها، جدال في هذا الدكان بين زبون وبائع على ثمن علبة من الفول، في الغالب لا تتجاوز الـ 2 شيكل / نصف دولار تقريباً.

في ذاك الدكّان جدالٌ آخر حول موعد سداد الدين مع امرأة تريد كيس من حليب المؤن الذي تقدّمه وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين كمعونات، يُجبر بعض مستلميها على بيع أجزاء منها لتوفير ثمن علاج يحتاجونه ولا يتوفر بالعيادات، أو لتوفير مواصلات لابنتهم التي تدرس الرياضيات في جامعة تعتبر حكومية، وتطلب الرسوم من طلابها بسبب الانقسام الفلسطيني، ما بين مانح وبين جابي لها.

عند السّاعة العاشرة صباحاً، وفي دكانة صغيرة بزاوية في أحد أشهر شوارع غزّة الرئيسة "عمر المختار"، علت أصوات زبونتين والتاجر مجدداً، توقعنا أن يكون الأمر بسبب الدين، لكنّ القصّة كانت في الحقيقة حسب ما سمعنا "نريد أن نستدين مستلزمات الكعك والمعمول من أجل العيد، نعدك أن نسدد ثمنها من العيدية ولن نتأخر مثل كل مرة".

لم يُخفِ التاجر علامات تأففه قائلاً: "أنا أعيش من هذا الدكان وأريد جمع المال كي أعيّد، يكفي دين الشهور السابقة" حتى أقنعتاه بسدادها بعد العيد مباشرة، ثم همّ بمساعدتهما في جمع مستلزمات الكعك والمعمول والبدء بتدوين كل صنف وثمنه في دفتر الديون.

عند الانتهاء، قابلنا الزبونتين، أم تبلغ من العمر 43 عاماً، وابنتها 22 عاماً، بادرتهم معدّة التقرير بإلقاء التحية والسؤال عن أسعار مستلزمات الكعك من الدكان بغرض كتابة تقرير صحفي عن العيد وطقوسه في غزّة، ردّت الأم شريطة عدم ذكر اسمها: "الأسعار هنا جيدة، ليست مرتفعة وجودتها ممتازة".

"العيد هو الموسم الوحيد الذي يُشعرنا بالفرح وإن كانت الأوضاع سيئة، راحت السيدة تحدّثنا دون أسئلة، إذ تشرح عن ظروفها المعيشية: "أنا أم لسبعة من البنات، توفى زوجي إثر مرض كان يعاني منه قبل سنوات، أنا أعيلهن ولا مصدر دخل مستمر سوى عملي في صناعة الحلويات وبيعها للمقربين منّا".

وفق بيانات للجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، فإن نسبة البطالة في قطاع غزّة بلغت خلال العام الماضي 52% مقابل 44% في العام السابق عليه، وكان لافتاً انخفاض نسبة العاملين بأجر في القطاع الخاص، الذين يتقاضون أجراً شهرياً أقل من الحدّ الأدنى للأجر إلى 72% العام الماضي مقابل 81% في العام السابق عليه، إذ يبلغ معدل الأجر الشهري في غزة 671 شيكلاً إسرائيلياً. (الدولار = 3.60 شيكلات).

وتضيف: "طلبات الحلويات تكون موسمية، وأنا أعمل في بيتي مع بناتي لأحصّل قوت يومي، لم أقل للتاجر أنني أبيع ما أصنع كي يصبر عليّ في ديني، ما أتقاضاه بالكاد يوفر لي حاجاتي الأساسية من غير الدكان".

وتهتم السيدة برعاية سبعة من بناتها، اثنتين منهن متزوجات ولديهن أطفال لكن ظروفهن المادية أيضاً سيئة، فتحاول إسنادهن، كما أن لديها اثنتين بالجامعة وثلاثة بنات أخريات في المدارس.

تتابع: "زوجي توفي من كثرة الهموم بعدما أغلقت إسرائيل غزّة في وجه العمال وجلس في المنزل، المرض والنفسية السيئة أكلا روحه حتى مات فجأة وتركني أصارع البقاء مع بناتي"، كانت الجملة الأخيرة لها قبل أن تمسك ذراع ابنتها وتهمس: "امشي يا سمر امشي، ليس لدينا وقت".

ومن الجهة المقابلة، كأن التاجر أحمد شاهين كان بانتظارنا، رددنا التحية وسألنا السؤال نفسه حتى أجاب: "الأسعار منيحة ولا مش منيحة فش حدا بدفع بالوقت الحالي وهذا الدفتر خير شاهد"، ملوحاً بدفتر الديون الذي يبدو ممتلئاً مهترئاً، المسجّل فيه لا يعادل ربع المشطوب باللون الأزرق، أي الذي تمّ سداده.

يضيف: "الحال سيئ منذ فرض الحصار على غزّة، لا موظف ولا غير موظف لديهم المال، جميعهم يتناوبون على الفلس وعلى ضيق الحال"، متابعاً: "أكيد بتسمعي عن أرقام المسجونين على ذمم مالية ولا مغيث لهم!".

في وقت سابق، قال الناطق باسم الشرطة في قطاع غزة، أيمن البطنيجي، إنّ عدد أوامر الحبس بسبب الذمم المالية والديون في عام 2017 بلغت 98 ألفاً و314، أي مواطن من أصل 20.

وبالنسبة للتاجر الذي يقرّ أنه غرق بديون الزبائن، يشير إلى أن إمكانية إغلاقه الدكان والانضمام إلى العاطلين عن العمل ليست بعيدة، فالواقع مر، وخيارات الدين هي الوحيدة أمامه وإلا لم يخل مكان في غزّة لا يشعر بالناس ويدينهم، خاصّة أن الأجواء مفرحة نوعاً فيما يخصّ العيد، متأملاً أن يسعى الناس لسداده بعد العيد من عيديات الزوجات غالباً لأن الرجال يكونوا قد أفلسوا بالفعل – وفق قوله -.

في غزّة، يكاد لا يخلو منزل من تقديم وجبات كعك العجوة والمعمول بالتمر والمكسرات مع الشّاي أو القهوة للمهنئين بالعيد، إذ يعتبر أحد أهم طقوس العيد، فإن غابت الشوكولاتة عن طاولة العيد وبعض المسليات، فإن الكعك سيكون حاضر بالتأكيد.

ولا يقتصر أمر الكعك والمعمول على تقديمه في العيد فقط، وإنما يمكن أن يقدّم في مراسم العزاء عند "أربعين الميّت" أي بلوغ أربعين يوماً على موته، كرحمة تقدّم للناس لتأكل وتدعو له.

لنــا كلـــمة
كاريكاتـــــير