شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاثنين 17 يونيو 2019م01:08 بتوقيت القدس

الأرجوحة تعيد الزمن إلى الوراء في المخيمات والأحياء الفقيرة

27 مايو 2019 - 12:13
فادي الحسني
شبكة نوى، فلسطينيات:

وكأن الشاب محمد بركات (27 عاماً) يبيع الفرحة للأطفال في مخيم الشاطئ – غرب مدينة غزة- زهاء نصف شيكل فقط. يقطع الأطفال شوطاً مدته خمس دقائق من التأرجح ذهاباً وإياباً، ويلتفت المارة إلى صوت ضحكاتهم.   

وتنازع اثنين مع الأطفال لم يتجاوزا الثمانية أعوام، على الدور في ركوب الأرجوحة الحديدية، وشاعت حالة فوضى، غير أن الشاب بركات لم يكترث واستمر في دفع المقعد.   

بعد أن استنفذت الصغيرة مرام، وقتها كاملاً ألحت على مالك الأرجوحة بمنحها شوطاً إضافياً، غير أنه امتنع طمعاً في منح أطفال آخرين فرصة موازية للركوب. وقال: "إن هناك أطفالاً من أبناء المخيم لا يملكون ثمن ركوب الأرجوحة لكنني لا استطيع كسر خاطرهم، فهم يحصلون على شوطٍ لمدة دقيقتين بالمجان".  

وأقام "بركات" وهو حاصل على دبلوم سكرتارية، أرجوحة حديدية بارتفاع مترين تقريباً، استعداداً لاستقبال عيد الفطر، حيث يشكل له هذا العمل الموسمي فرصة للدخل في ظل تعطله عن العمل.   

ويواضب الأطفال في الأحياء الفقيرة والمخيمات بقطاع غزة، على ركوب الأراجيح، بوصفها وسيلة التسلية الأقل تكلفة، والأكثر شعبيةً، وتنشط في المواسم والأعياد. في المقابل يوجد في القطاع أربع صالات لألعاب الأطفال ولن يسمح بدخولها أو ركوب الألعاب إلا بعد الحصول على تذاكر. 

ويغُلُّ الطفل باسم أحمد (7 أعوام) يده على قطعة معدنية بقيمة (شيكل) في انتظار دوره لركوب الأرجوحة المقامة في شارع فرعي بحي الشيخ رضوان وسط مدينة غزة. ويقول الصغير إنه جاء لينفق مصروفه على هذه اللعبة بغرض الفرح كباقي أقرانه.     

والأرجوحة التقليدية، هي حبل يشدُّ رأْساه في مكان مرتفع، ويقعد فيه الصبيان واحدًا بعد واحد ويميلون به، فيجيء ويذهب مُعَلَّقًا في الهواء، ولا يعرف لها زمان أو مكان ولادة على المستوى العربي، ولكن يططلح عليها في العامية الفلسطينية والمصرية على حدٍ سواء بـ"المرجيحة".

يشير صاحب ورشة حدادة يدعى عبد الله شاهين، إلى أن الطلب على صناعة الأراجيح تراجع خلال سنوات الحصار الأخيرة، رغم أنها تعد الوسيلة الترفيهية الأقل تكلفة، مرجعاً ذلك لإرتفاع تكلفة المواد الخام اللازمة لصناعتها.

ويشير شاهين إلى أنه على الرغم من توفر بدائل لتسلية الأطفال، إلا أن الأرجوحة لا تزال تشكل اللعبة الأولى في المناطق الفقيرة من قطاع غزة، لاسيما أنها لا تصاب بالأعطال كالألعاب البلاستيكية أو الإلكترونية الأخرى، وأن كل ما تحتاجه من وقت لأخر هو طلاء أعمدتها فقط.   

واعتمد في العقود السابقة في صناعة الأرجوحة على الخشب، ثم تطورت تدريجياً إلى أن أصبحت تصنع من قضبان الحديد وبأحجام وأشكال مختلفة، والأكثر شهرةً منها ذات المقعدين.

يشرح الستيني أبو علي سليم، فكرة الأرجوحة، بأن الأطفال كانوا قديماً قبل ظهور الأرجوحة التقليدية، يعتمدون على ربط رأسي الحبل في أفرع شجر الجميز أو الزيون، ويضعون فوقه وسادة قطنية يجلسون عليها، ثم يتقافزون في الهواء اعتماداً على دفع أقرانهم وأصدقائهم من الخلف.

ويترحم سليم على أيام الزمن الجميل، وهو يقلب حبات مسبحته، قائلاً: "آخ لو ترجع تلك الأيام!".

ووفقاً لموسوعة "ويكيبيديا" فإن للأرجوحة أصل من أسطورة رومانية تقول: أن المعبود الروماني (باكشيس) "إله الخمر والنبيذ" غضب في إحدى سنوات الجدب على مزارعي العنب (الكرم) بسبب تقصيرهم لإنتاج العنب في ذلك العام وأمرهم بأن يقوموا بألعاب بهلوانية صعبة تعرض حياتهم للخطر، وبهذه الطريقة يكفرون عن ذنوبهم ومن ثم يرضى عما يشاء منهم ويرزقهم بالمحصول الوفير مرة أخرى . وكان من ضمن تلك الألعاب لعبة عبارة عن التأرجح الفردي أو الجماعي مع الحركات البهلوانية على حبل معلق بين شجرتين عاليتين.

 وبعد ذلك اتخذت الأرجوحة رمزاً روحانيا ودينياً مقدسا يعمل في الأعياد والمناسبات ولا يقوم بها إلا أناس ذووا خبرة عالية ومراس شديد. ثم انتشرت اللعبة في جميع أوروبا في عروض السيرك المثيرة. أما اليوم فقد ذاع صيتها بين الناس والأطفال خصوصا فلا تكاد تخلو منها الحدائق العامة والملاهي والبيوت، وحتى رياض الأطفال والمدارس، بل حتى في محطات القطار في بعض البلدان. وذلك للهو واللعب والمرح وتمضية الوقت مع الأصدقاء والأحباب في جميع المناسبات.

وعلى الرغم من ذلك، فلا يراعى على المستوى المحلي متطلبات الجودة والأمان في استخدام الأراجيح، إذ أن الأطفال غالباً ما يصابون إصابات بالغة إما بكسور في الأطراف أو تشوهات في الوجه، نتيجة التدافع والسقوط عنها.

لنــا كلـــمة
كاريكاتـــــير