شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاثنين 17 يونيو 2019م01:12 بتوقيت القدس

انقسام النخب ووحدة الشعب

19 مايو 2019 - 07:31
علي جرادات
شبكة نوى، فلسطينيات:

في الذكرى المئوية ل«وعد بلفور»، (نوفمبر/تشرين الثاني 2017)، اعترفت الولايات المتحدة ب القدسعاصمة ل«إسرائيل». وفي الذكرى ال70 للنكبة، (مايو/أيار 2018)، نقلت سفارتها من «تل أبيب» إلى القدس. وعشية الذكرى ال71 للنكبة، ( مطلع مايو/أيار الجاري)، أعلن كوشنر صهر الرئيس ترامب أنه بصدد الكشف عن خطته ل«السلام في الشرق الأوسط» في مطلع يونيو/حزيران القادم، أي في الذكرى ال52 لعدوان 67 الذي ارتكبت فيه «إسرائيل» ثاني أكبر عملية تطهير عرقي، بعد تلك التي ارتكبتها بحق الشعب الفلسطيني عام 48. وكل ذلك جنباً إلى جنب مع العمل الأمريكي الممنهج على تجفيف تمويل وكالة «الأونروا»؛ لإنهاء وجودها، توطئة لشطب حق عودة اللاجئين، ومع إطلاق التصريحات الأمريكية الرسمية، التي لا ترى الضفة الغربية أرضاً محتلة، ولا حتى متنازعاً عليها؛ بل هي جزء من (أرض «إسرائيل» التاريخية). 

هنا، يتضح أن الفريق الأمريكي المُكلف بمتابعة خطة تصفية القضية الفلسطينية، والعمل على تمريرها، كخطة («إسرائيلية»- أمريكية)، يتعمد اختيار المحطات الأساسية للظلم التاريخي، الذي لحِق بالشعب الفلسطيني؛ للإعلان عن فصول هذه الخطة، الأمر الذي يعبر عن الإمعان في الغطرسة والاستفزاز، والاستهانة بالشعب الفلسطيني وقدرته على إحباط هذه الخطة، والأهم، دعوة هذا الشعب، والشعوب العربية عموماً، إلى التسليم بالوقائع، التي تم فرضها على الأرض في جميع هذه المحطات، وفي مقدمتها محطتا نكبة عام 48، وهزيمة عام 67؛ وذلك جرياً على فرضية لطالما تعلق بأوهامها قادة «إسرائيل»، فحواها: أن ما يُفرض على الأرض، يتم الاعتراف به في نهاية المطاف. 

ومع التذكير بالاعتراف الأمريكي بسيادة «إسرائيل» على الجولان السوري المحتل، وبأن «إسرائيل» باتت تسيطر، بأشكال مختلفة، على 82% من أرض فلسطين، (حسب التقرير السنوي الأخير لمركز الإحصاء الفلسطيني)، يتضح أن المطلوب من الفلسطينيين والعرب، حسب خطة هذا الفريق، هو الاعتراف ب(«إسرائيل» اليهودية الكبرى)، على أرض فلسطين والجولان السوري، وأجزاء من الأراضي اللبنانية والأردنية. ولا عجب. فهذا الفريق المُكون من «كوشنر»، و«جرينبلات»، و«فريدمان»، إنما تحركه قناعات تلمودية خرافية، لا يتبناها؛ بل وينتقدها علناً، هو وقطاع واسع من اليهود الأمريكيين الليبراليين، فكيف تقبل بخطة هذا الفريق جهة فلسطينية أو عربية؟!، أو أن تستطيع تمريرها حتى لو أرادات؟!
كيف لا؟ فيما يعلم الجميع أن إسقاط حق عودة اللاجئين إلى ديارهم التي شُردوا منها؛ يعني توطينهم في البلدان التي تستضيفهم كلاجئين إلى حين عودتهم، وهو الأمر الذي يعادل تغيير الخريطة الديموغرافية لهذه البلدان، وفي مقدمتها الأردن ولبنان وسوريا التي ستضطر، أيضاً، إلى تحمل الأعباء المالية التي تتكفل بها، منذ عام 48، وكالة «الأونروا»؛ بل ويعلم الجميع، أيضاً، أن خطة اقتطاع منطقة الأغوار، وتطبيق القانون «الإسرائيلي» على مستوطنات الضفة، تحمل في ثناياها العمل على تهجير ما يمكن تهجيره، وبأشكال مختلفة، من سكان الضفة إلى الأردن، ما يعني بقاء فكرة «الوطن البديل» فكرة قائمة، الأمر الذي يفسر القلق الرسمي الأردني من تداعيات الخطة الأمركية لتصفية القضية الفلسطينية. 

وكيف لا؟ طالما أن هذا الفريق يعمل وفق المعادلة التي أعلنها، مؤخراً، كوشنر، بالقول: (الأمن ل«إسرائيل»، وتحسين شروط المعيشة للفلسطينيين)، وكأننا أمام صفقة عقارية بين طرفين، يحصل فيها الطرف الأول على العقار، والثاني على النقود، فيما الحقيقة أننا أمام صراع عربي- «إسرائيلي»، جوهره القضية الفلسطينية، وأساسه الأرض والسيطرة عليها، وبات عمره حتى الآن 100 عام، ثبت خلالها، بما لا يدع مجالاً للشك، أن أرض فلسطين، وبقية الأراضي العربية المحتلة، هي ليست عقاراً يباع ويُشترى؛ بل وطن لا وطن لأهله غيره.

وكيف لا؟ طالما أن هذا الفريق يعمل وفق مقاربة، لطالما تعلق بها قادة «إسرائيل»، وثبت بطلانها، فحواها: أن ما لا يتحقق بالقوة يتحقق بمزيد من القوة، فيما أثبت التاريخ الواقعي للصراع أن الشعب الفلسطيني لم يستسلم يوماً لاختلال ميزان القوى؛ بل ظل يطلق مبادرته الثورية الكبرى، التي أربكت حسابات قادة الاحتلال؛ بل، ورغم الانقسام العبثي المُدمر لنخبه القيادية، فإن هذا الشعب مستمر في مجابهة الخطة الأمريكية، من على قاعدة الوحدة الميدانية، أي وفق تكتيك: «الإطلاق من مواقع مختلفة على نفس الهدف».

لنــا كلـــمة
كاريكاتـــــير