شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاثنين 17 يونيو 2019م01:12 بتوقيت القدس

هل وصلوا إلى عبدالناصر بالسم؟

19 مايو 2019 - 07:29
عبدالله السناوي
شبكة نوى، فلسطينيات:

شكوك جديدة أثيرت حول الوفاة المفاجئة ل «جمال عبدالناصر» ترجح فرضية أنه قد جرى التوصل إليه بالسم.

الشكوك تضمنتها مذكرات نشرت حديثاً بالقاهرة للفريق الراحل «محمد صادق»، رئيس أركان القوات المسلحة لحظة رحيل «عبدالناصر» في ال 28 سبتمبر / أيلول 1970، والذي تولى حقيبة الدفاع بعد أحداث «مايو»١٩٧١.

بقدر منصبه تكتسب شهادته أهميتها وخطورتها.. «الكل، وقد داهمتهم وفاة عبدالناصر وإن لم تكن الوفاة مفاجأة بالنسبة للبعض، بدأوا يتكتلون ويناورون ويتقاتلون حول من يخلف المسجى جثمانه داخل قصر القبة».

صراعات السلطة مسألة طبيعية في مثل هذه الأحوال. ويلفت الانتباه ما كتبه عن أن الوفاة لم تكن مفاجأة بالنسبة للبعض، من دون أن يُفصح على أي أساس توصل إلى استنتاجه.

«كانت الساعات شديدة الوطأة، فبعض الأطباء يرفضون كتابة شهادة وفاة لعبدالناصر، ويصرون على تشريح الجثة لتأكيد شكوكهم. وقد أخبرني الدكتور رفاعي كامل أنه يشك في أن الرئيس مات مسموماً، وأن أظافره زرقاء اللون تضاعف من شكوكه، وأنه ليس وحده الذي يشك في ذلك، وأنهم يريدون أن يقطعوا الشك باليقين». الشكوك لها أساس، لكنها لا تجزم.

«لن يتركوني أبداً».. هكذا أخبر «عبدالناصر» ذات مساء من شهر ديسمبر 1969 نجله الصبي، متوقعاً أن يلاحقوه حتى ينالوا منه «قتيلاً، أو سجيناً، أو مدفوناً في مقبرة مجهولة»، كما روى «خالد».

ربما أطلق هذه الكلمات، بكل حمولاتها السياسية والإنسانية، في ذات اليوم الذي استمع فيه إلى تسجيلات التقطتها ميكروفونات حديثة في مدخل السفارة الأمريكية وصالونها وغرفة الطعام والبهو الأعلى بمبناها، في العملية التي أطلق عليها «الدكتور عصفور» كما كشف الأستاذ «محمد حسنين هيكل».

كان الكلام المسجل، الذي استمع إليه وكتب نصه على ورق أمامه، بتاريخ اليوم السادس من هذا الشهر، بالغ الخطورة إلى حد دعا رئيس المخابرات المصرية «أمين هويدي» أن يحمله بنفسه دون إبطاء إلى الرئيس.

ووفق ما هو مسجل، فإن قيادات الدولة العبرية توصلت إلى استنتاج أن «بقاء إسرائيل رهن بالقضاء على ناصر.. وأنه يجب الوصول إليه بالسم، أو بالمرض خشية أن يُفضي أي إنجاز عسكري للقوات المصرية إلى مد جديد لحركة التحرر الوطني في العالم العربي لا تقدر على صده».

هناك شبهات أخرى رواها «هيكل» ترجح أنهم وصلوا إليه ب «السم» في فنجان قهوة يوم انعقاد القمة العربية الطارئة لوقف حمامات الدم في شوارع عَمان، التي توفي بعد انتهاء أعمالها، غير أنه لم يكن متأكداً من صحة ما اشتبه به.

لسنوات طويلة بعد رحيل «عبدالناصر» نُشرت قصص تنفي ما هو معلن عن أسباب رحيله المفاجئ.

مما قيل وتردد منسوباً إلى كبير أمناء الرئاسة «صلاح الشاهد» أن «عبدالناصر» أصيب بغيبوبة سكر في مطار القاهرة بعد توديعه أمير الكويت عند انتهاء مؤتمر القمة العربي الطارئ، وأن طبيبه المرافق الدكتور «حبيب» أعطاه حقنة «أنتستين بريفين» أفضت إلى وفاته، لم يكن ذلك صحيحاً بشهادة الأطباء الثلاثة.

بالوثائق والشهادات رفع الدكتور «حبيب» دعوى قضائية ضد كبير أمناء الرئاسة، لإثبات بطلان ذلك الاتهام وكسبها.

من أسباب كسبه الدعوى القضائية التي رفعها أن «أنتستين بريفين» ليست حقناً، وإنما نقط للأنف، وأنه قد أعطى الرئيس حقنة قلب قبل ساعتين من وفاته.

بتوصيف الدكتور «حبيب» للأزمة الصحية الخطيرة التي داهمت «عبدالناصر» في مطار القاهرة الدولي: «كان العرق على جبهته بارداً، ولونه شاحباً، ونبضه سريعاً، وضغطه منخفضاً، وأطرافه باردة، وكانت تلك علامة على صدمة قلبية عطلت نحو ٤٠٪ من عضلاته».

مما قيل وتردد منسوباً للدكتور «رفاعي كامل» استشاري القلب أن «عبدالناصر» توفي ب «غيبوبة سكر» دون أن يعلن فرضية الوصول بالسم التي ذكرها في وقته وحينه لرئيس الأركان.

فرضية «غيبوبة السكر» نفاها الدكتور «حبيب»، جازماً بأن الدكتور «رفاعي» انقطعت صلته بمنشية البكري قبل ثلاث سنوات، ولم يكن في وضع يسمح له بالحكم الطبي الدقيق.

ومما قيل وتردد، منسوباً إلى خبير العلاج الطبيعي «علي العطفي»، أنه أجرى تدليكاً لساقي الزعيم الراحل بمادة سامة قضت على حياته.

بما هو ثابت لم يدخل هذا الرجل، الذي قُبض عليه يوم ال ١٨ من مارس ١٩٧٩ بتهمة التجسس لمصلحة «إسرائيل»، منزل «عبدالناصر» أبداً.
كأي بطل تراجيدي من هذا الحجم في التاريخ، فإن السجال لن يتوقف حول الطريقة التي انتهت بها حياته. الأرجح أنه رحل بأزمة قلبية ثانية نالت منه بعد يوم طويل في قمة عربية منهكة، لكن لا يمكن استبعاد احتمال أنهم وصلوا إليه ب «السم».

«أعتقد أن والدي مات بالإرهاق بأكثر مما مات بأزمة قلب ثانية في أيلول الأسود»، وفق شهادة مسجلة لنجله الأكبر الراحل الدكتور «خالد عبدالناصر». «سيرته الصحية ترتبط بتواريخ السياسة.. أثناء الحصار الاقتصادي الذي فرضه الغرب على مصر، أصيب بمرض السكر عام ١٩٥٨.. وبعد نكسة ١٩٦٧ نالت منه مضاعفات السكر بصورة خطرة.. إرهاق العمل المتواصل ليلاً ونهاراً في سنوات حرب الاستنزاف أصابه بأزمة قلب أولى. أزماته الصحية كان يمكن السيطرة عليها، أما الإرهاق وتحدي أوامر الأطباء، فلا سبيل لتداركها. من عرف عبدالناصر في تلك الأيام كان يُدرك بسهولة أنه غير مستعد للنوم مرتاحاً، أو الاستمتاع بأي شيء، قبل إزالة آثار العدوان».

بين الروايات المتعارضة يظل سؤال: «هل وصلوا إلى عبدالناصر بالسم؟» في حاجة إلى حسم بوسائل العلم الحديث.

لنــا كلـــمة
كاريكاتـــــير