شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الجمعة 24 مايو 2019م14:03 بتوقيت القدس

الكبار يموتون لكن الصغار لا ينسون !

14 مايو 2019 - 07:33
حسن البطل
شبكة نوى، فلسطينيات:

كلما سحبت كتاباً من مكتبتي، أو أعدت كتاباً، أتذكر قولاً لكمال جنبلاط، خلال مقابلة أمام مكتبته العامرة: «يا عمّي بدها عمر تاني تقرأ ها الكتب». إلى بعض الصور والتحف الصغيرة، على رفوف مكتبتي حفنة تراب من أرض قريتي، طيرة حيفا.
كنت أرسلت حفنات من ترابها إلى الشام، وعندما حانت ساعة أُمّي مريم أوصت إخوتي أن يعفروها، بين الجسد والكفن، بحصتها من التراب، واقتدى أولاد إخوتي بوصية أُمّي، عندما حانت ساعتهم.. وأنا بقيت آخر أولاد مريم ومصباح، وأوصيت جاري أن يفعل كما فعلت أُمّي وأشقّائي، الذين ماتوا دون أن أودّعهم.
أنا الوحيد من أفراد أسرتي الذي عاد إلى أرض البلاد، وأمّا أولادي وأولاد إخوتي فقد تبعثروا من أندونيسيا إلى فنزويلا، مروراً ببريطانيا. المفارقة أن أولاد إخوتي الباقين في الشام لا يراسلونني بصفتي «العمّ» و»الخال» فقط، بل كـ «عميد» آل البطل»، ولا أدري من سيخلّفني في هذه العمادة، بعد تعفيري بحفنة التراب على رفوف مكتبتي.
المفارقة الثانية أنني أضحيت «عميد السن» في «مؤسسة الأيّام» من الذين وُلدوا قبل النكبة ومن جيلها. العديد من زملائي اللاجئين وُلدوا بعد النكبة، ويتولّون قيادة الأقسام الرئيسية في مؤسسة الأيام.
كتب زميلي عبد الناصر في «الأيّام» عن ذكريات أُمّه النكبوية في قرية الفالوجة، وكان زميلاً، من غزة سابقاً حكى لي، ما أبكاه وأبكى قلبي. عمل في زرع الأشجار في حقل في مستوطنة في غلاف غزة في أرض كانت تعود إلى أبيه.. فبكى بكاءً مُرّاً. لعلّ قصة الزميل عبد الرحمن أبو شمّالة عاشها لاجئون سواه، وتصلح لإضافة درامية لفيلم «حفنة من تراب» للطيراوية المقيمة في حيفا، ساهرة درباس، الذي شاركت فيه مع آخر إخوتي في الشام لما تلقّى حصته من تراب الطيرة.
على أعمدة وأشجار رام الله رُقع ترفع في كل عام نكبوي: «أنا من قرية..». النكبة ضربت زهاء ثلثي عديد الشعب، إمّا كلاجئين وإمّا كمهجّرين.
80% من سكان غزة يعودون إلى ذراري اللاجئين، و40% من سكان الضفة، أيضاً. ماذا عن الشعب الباقي في أرضه الأصلية؟ هناك من بين المليون ونصف المليون حوالي 250 ألفاً هُجّروا من قراهم إلى مدن وقرى أخرى.
في كل عام نكبوي يزورون قراهم الأصلية.
تأمّلت الخبر الرئيسي في عدد «الأيّام» الصادر، يوم الجمعة 10 أيار عن مسيرة المُهجّرين إلى قرية «خبّيزة» بين حيفا وأُمّ الفحم. العلم الوطني ونشيد «موطني» لكن الصورة عن صبية صغيرة ترفع علماً كبيراً، كأنها تنقض نبوءة غولدا مائير: «الكبار سيموتون والصغار سينسون».
في الاحتفال، تحدثت راحيل بت آريه من جمعية «ذاكرات» عن حق عودة إلى القرى المهجّرة.. لكن عضو الكنيست عن «التجمّع» د. عوفر كاسيف يدافع عن حق عودة عملي إلى القرى المهجّرة، وليس إلى القرى المدمّرة التي أقيمت على أرضها مستوطنات يهودية صرفة.
هذا حق عملي لو كانت إسرائيل دولة جميع رعاياها، بينما شكل آخر من حق العودة للاجئين سياسي وقانوني، وأمّا الشكل الثالث فهو حق عودة اللاجئين في المنفى العربي إلى أراضي السلطة الفلسطينية. إسرائيل قبل شرعنة «قانون القومية» اليهودي وبعده ترفض أشكال العودة الثلاثة كافة. فوق هذا، ففي السنوية الـ 71 للنكبة، جاء في تسريب جديد لـ «صفقة القرن» أنها ستضم كافة المستوطنات، التي عمل فلسطينيون في بنائها وفي حقولها، كما في قصة الزميل عبد الرحمن أبو شمّالة، وعمله في أرض كانت تعود لوالده قبل النكبة.
في السنوات الأولى، لما بعد العام 1948 كان الخطاب العربي عمّا حصل هو «كارثة فلسطين» أو «اغتصاب فلسطين»، وكان اللاجئون في المنفى يتظاهرون حزانى بالأسود، وكان المهجّرون تحت حكم عسكري محظور عليهم زيارة قراهم.
خلال 70 سنة نكبوية تضاعف الفلسطينيون في إسرائيل 13.1% ضعف واليهود 10.4% ضعف، لكنهم منذ سنوات ما بعد أوسلو يرفعون العلم الوطني وينشدون «موطني».
بلادنا سيرثها من يحبها أكثر، ويناضل من أجلها.. ويتذكرها أكثر.

القلع صارت «كيلاع»
الانتحال والإحلال الاستيطاني اليهودي لا يجري في أرض فلسطين (إسرائيل والأراضي المحتلة) بل يشمل الجولان السوري المحتل.
أقامت إسرائيل 33 مستوطنة في الجولان، وأضافت إليها واحدة أخرى تكريما لدونالد ترامب سوف تسمّى «كيلاع» التي ستقام على أنقاض قرية سورية اسمها القلع، وكانت مستوطنة «عين زيفان» أقيمت على أنقاض قرية «عين زيوان».

لنــا كلـــمة
كاريكاتـــــير