شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الجمعة 24 مايو 2019م12:48 بتوقيت القدس

أدب الشوارع: آخر ما تبقى من مساحات التعبير عن النفس

29 إبريل 2019 - 07:01
شيرين العكة
شبكة نوى، فلسطينيات:

غزة:

"لو وجدنا من يسمعنا لتركنا صحيفة الجدران"، تلك الجملة كتبت بالخط العريض الأسود على جدار إسمنتي مطلٍ على أحد شوارع مدينة غزة، وكأنها تعبير مجازي عن الواقع الذي بات يتنامى فيه ما يعرف بأدب الشوارع، وذلك كوسيلة للتعبير عن الواقع أحياناً، والأمنيات وحالة الحزن أو الفقد أحياناً أخرى.

عزيزي القارئ، تعال لنأخذك جولة في شوارع غزة، نقرأ معاً ما كتبه الناس تعبيراً عن مشاعر وطنية مختلطة، أحياناً بالحب وأحياناً بالعاطفة وأوقات أخرى بالدعابة، مثل (عيونك حلوة مثل شوارع القدس) أو (حارة للبيع).. إلخ.

وما بين الجد والهزل، يجد الفلسطينيون في الجدران وسيلة للتعبير عن أنفسهم بديمقراطيةٍ مطلقة، ذلك على عكس الحالة التي يعيشها العالم، والتي لا يجد فيها الناس حرجاً أو مخاوفاً من طرح أفكارهم وآراءهم بجراءة ومن دون تحفظ.

ويعتقد الروائي والقاص عبد الله تايه، أن غياب ظاهرة الحريات في الأراضي الفلسطينية نتيجة الواقع السياسي المعقد، أسس ما يعرف بأدب الشوارع، حيث وجد الشباب في الجدران فرصة للتعبير عما يجول في خواطرهم سواء بالكتابة أو الرسم".

يصف تايه وهو الأمين العام المساعد لاتحاد الكتاب والأدباء الفلسطينيين، الكتابة على الجدران بـ "الموجزة والملخصة لفكرة ما، ذات بعد يدعو إلى التفكير"، تمامًا مثلما بدأت الكتابة على الجدران والتي كانت تحمل الطابع السياسي والتوعوي ضد المحتل، وقد كانت تؤدي غرضها.

لعل الفلسطينيين كانوا من أوائل الشعوب التي استخدمت الجدران كوسيلة للتعبير عن غضبهم في وجه الاحتلال، وظهرت الكتابة آنذاك بشكل متفرق، لكنها شكلت ظاهرة تستحق الوقوف عندها ودراستها بُعيد اندلاع الانتفاضة الأولى عام (1987)، حيث غزت الشعارات الجدران بشكل واسع، إما بيانات استنكار، أو إعلان إضراب، نعي شهيد وغيره؛ وذلك بسبب الافتقاد لوسائل إعلام حرة تدعم نضالهم، فلجأوا للجدران ليلاً كي يفرغوا عليها ما بجعبتهم، خشية الملاحقة والاعتقال من قبل الاحتلال الإسرائيلي.

ومن بيانات سياسية توعوية وشعارات تبث الحماسة في نفوس الفلسطينيين إلى أبيات من الشعر وعبارات محكيه وأخرى باللغة الفصحى، للتعبير عن المشاعر والعلاقات بين الأحباب والأصدقاء، يعلّق تايه "يعبر الشباب بطريقتين، إما الكتابة باللغة الفصيحة، أو العامية المحكية البسيطة، المهم من وجهة نظر كاتبها أن تصل الرسالة والفكرة التي يتبناها".

وشدد تايه من موقعه، على ضرورة توجيه الشباب، ومطالبتهم بأن تكون اللغة المستخدمة هي الفصحى المهذبة، كي تصل الفكرة بشكل صحيح وأسلوب مناسب، معتبرا الفصحى أقوى وأكبر تأثيرا على المشهد الثقافي حيث يمكنها الارتقاء به.

وفي غمرة الألوان التي تركت أثراً على حوائط حارات وأزقة القطاع، يطرح السؤال: هل كل ما يكتب على الجدران يمكننا أن نطلق عليه "أدب الشوارع"؟

هنا يجيب الكاتب والروائي عاطف أبو سيف: "المصطلحات ظالمة أحيانا لأنها تدفعنا لتقنين وقولبة الأشياء، لكن بغض النظر عن الوسيلة التي تم التعبير من خلالها، سواء كُتبت في الشارع أو كانت رسالة ملقاة عبر زجاجة في البحر، فإن ما يحكم على النص كونه أدبيا أو غير ذلك هو جودته".

وبحسب أبو سيف فإن ما يجعل الجدران مستمرة كوسيلة للكتابة؛ هو "الرغبة بالتواصل مع الحبيب والصديق المتخيل، والتأكد من أن الرسالة قد وصلت"، الفن أيضًا نوع من الأدبي الراقي الذي نجده على الجدران، يستشهد أبو سيف بلوحات بانكسي الشهيرة، الذي يرسم في مواضيع متعددة، كالسياسية، الاجتماع، الثقافة، ويعمل بشكل متخفي بعيدًا عن الشهرة؛ لتحقيق غايات راقيه تدعم الروح المعنوية والنضال الشعبي.

"لا تمت قبل أن تكون ندًا"، لـ "عيونك أحلى من طبخ إمي"!، باتت الجدران تعكس مدى المتغيرات الفسيولوجية التي تطرأ على المجتمع، حيث أصبحت الكتابات التي تعبر عن العاطفة والوجدان، تحتل مساحة أوسع من تلك التي تعبر عن السياسة والمقولات الثورية، يؤيد هذه الملاحظة الكاتب أبو سيف، معتبرا أنها مرتبطة بالتحولات في بنية المجتمع، فمهما تغيرت الأسلوب ونوع الكتابة يرى أن "حب المشاركة والتواصل مع الغير، ايصال الرسالة لأكبر عدد ممكن من الناس من تدفع هذا الفن للاستمرار".

الفنانة التشكيلية مريم صلاح تتفق مع أبو سيف في أن الكاتب أو الفنان يلجأ لجدران الشوارع ليصل إلى أكبر عدد ممكن من الناس، كما تشجع انتشار أدب الشوارع وبخاصة الرسم (الجرافيتي)، حتى لو كان لتزيين الشوارع فحسب "ربما نجد رسمة تخلو من رسالة واضحة ومحددة، ولكن بالنسبة لي يكفي النظر اليها والاستمتاع بوجودها في الشارع".

وشاركت صلاح في رسم أكثر من جدارية في الشوارع، كانت إحداهم بمشاركة وفد إيطالي، قدمت من خلالها رسالة لتقوية العلاقات بين طلبة الفنون في غزة والبلاد الأخرى، أما الرسوم الأخرى هدفت من خلالها إلى تزيين جدران الشوارع، تقول: "تفتقد شوارع مدينتنا للألوان والجمال، لذا أشجع كثيرًا فن الجرافيتي الذي يتخذ من الجدران وسيلة له، إنه يضفي نوعًا من الروح والمغامرة في طريق المارة".

لنــا كلـــمة
كاريكاتـــــير