شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الجمعة 26 إبريل 2019م11:52 بتوقيت القدس

سيناء: الخلفية السياسية التاريخية والوطن البديل

14 إبريل 2019 - 06:21
محمد جبر الريفي
شبكة نوى، فلسطينيات:

صحراء سيناء كبؤرة توتر للإرهاب في المنطقة تضج مضاجع النظام السياسي المصري وتقفز هذه الأيام إلى واجهة الإعلام العربي والدولي بسبب ما نقل عن الرئيس الأمريكي المتصهين ترامب، من أن الدولة الفلسطينية العربية الممكن إقامتها هي في قطاع غزة وجزء من صحراء سيناء، أما ما يتبقى منفلسطين التاريخية وهي أراضي 1948 المغتصبة والضفة الغربية المحتلة فهي دولة إسرائيل اليهودية.

هكذا بكل بساطة يرسم ترامب الخارطة السياسية العربية وخارطة الشرق الأوسط كما تريده الرواية اليهودية، وكما يخدم المصالح الأمريكية الإمبريالية وحدها دون غيرها من القوى السياسية الدولية؛ صفقة سياسية رخيصة لأنها قائمه على تجاهل كامل لحقائق التاريخ والجغرافيا وللموروث الثقافي الحضاري والديني، واستخفاف أيضًا بالعقلية السياسية العربية.

سيناء المرتبطة بواقعة التيه اليهودي هي فلسطين الجديدة، لكنها مفرغة من تاريخها الحضاري الكنعاني، غير أنها في حسابات الصفقة التي تفتقت عناصرها من خبرة ترامب التجارية تتسع لخمسة وعشرين مليونًا من السكان بينما عدد الفلسطينيين في كل أماكن تجمعاتهم لا يتعدى في إحصاء تعداد ترامب تسعة ملايين؛ صفقة يتم فيها مقايضة الطابع السياسي الوطني التحرري والاجتماعي الديمقراطي للقضية الفلسطينية بمشروع اقتصادي يخدم حالة البؤس الاجتماعي الذي يعيشه سكان قطاع غزة، وغالبيتهم من اللاجئين الذي تم اقتلاعهم من قراهم ومدنهم عام 1948. أما عن الخلفية السياسية التاريخية للصفقة فإنه ليس جديدًا أن تصبح سيناء المصرية جزءًا متعلقًا بتأمين وطنًا قوميًا لليهود التي ضاقت بهم الأحوال في أوروبا بما عرف وقتها بالمسألة اليهودية، وحل هذه المسألة الدينية الاجتماعية التي أرّقت الدول القومية البرجوازية الناشئة بعد اندحار عصر الاقطاع السياسي، هو التخلص من الجيتو اليهودي، أي حارة اليهود المنغلقة على ذاتها بسياج تعاليم التوراة وأدعية التلمود. ففي البحث عن مكان للدولة اليهودية تحقق فيها البرجوازية اليهودية طموحها القومي كما حصل للطبقات البرجوازية الأوروبية، وحتى تصبح القارة الأوروبية نقية خالصة لهيمنة المسيحية الغربية، وتخلص اليهود أنفسهم من نظرة الازدراء الأوروبي الذي وصل إلى حد الاضطهاد النازي، وضعت الحركة الصهيونية العالمية في المؤتمر الأول الذي عقد في بازل بسويسرا صحراء سيناء كمكان لإقامة الدولة اليهودية ضمن أماكن أخري تم اختيارها، وقد خرجت بالفعل بعثة لمعاينة المكان، ولكن لعدم توفر الماء تم الاقلاع عن الفكرة رغم القداسة التي توليها الديانة اليهودية لأماكن في سيناء.

سيناء المصرية بعد قيام الكيان الصهيوني عام 1948، لم تخسر مكانتها الاستراتيجية فيما يتعلق بالبحث عن حلول للقضية الفلسطينية كوطن بديل للشتات الفلسطيني كما هو الحال مع الأردن، فهي من الناحية الجغرافية الجزء الجنوبي الغربي من القارة الآسيوية كامتداد لصحراء النقب الفلسطينية، وذلك خلافًا ل مصر الإفريقية، وهي كذلك من الناحية الاجتماعية تربطها بدقة أواصر الانتماء القبلي مع قبائل فلسطين وشرق الأردن، ولم تشعر قبائل البدو فيها في أي يوم من الأيام بأنها جزء من النسيج الاجتماعي الحضاري المصري في الوادي الذي يضم الدلتا والصعيد، وبذلك ظلت دائمًا تتلمس الحاجة إلى التعبير عن شخصيتها القبلية البدوية؛ الأمر الذي جعلها في النهاية تشكل بيئة خصبة لنمو الإرهاب، مما زاد من أزمة الثقة القائمة أصلًا بين أجهزة الدولة الأمنية والبدو الذين كان ينظر إليهم دائمًا بحساسية أمنية مطلقة.

بفعل هذه العوامل المتداخلة ظل ينظر إلي سيناء من قبل المخططات الاستعمارية والصهيونية، على أنها الوعاء الكبير الفارغ الذي يمكنه استقبال اللاجئين الفلسطينيين بعد النكبة، وعلى الرغم من فشل مشروع التوطين في عام 1955، بسبب المعارضة الشعبية الشديدة التي قادتها الأحزاب السياسية خاصة القومية واليسارية )الشيوعيون)؛ إلا أنها ظلت تتمحور حولها أفكار متعلقة بمشاريع التسوية السياسية، وهكذا لم يأت الحديث عن مخطط دولة غزة وسيناء من فراغ، وبذلك تجيء صفقة القرن الأمريكية التصفوية كتسوية عربية إسرائيلية على أساس إقليمي بعيدة عن البرنامج المرحلي القائم على حل الدولتين الذي يحظى بإجماع دولي، وهي تنتقل الآن من حيز القول إلى حيز الفعل، ومن حيز الدعاية إلى حيز الممارسة والتطبيق بإزاحة القضايا الجوهرية للصراع الفلسطيني الإسرائيلي من طاولة المفاوضات، كقضيتي القدس واللاجئين؛ لتبقى أخيرًا قضية السيادة على الضفة الغربية في محل الترقب والانتظار على الأمل والأرجح عند المراقبين السياسيين الذين لهم دراية بالسياسة الخارجية الأمريكية أن يعلن ترامب قريبًا قرارًا بضمها للسيادة الإسرائيلية، كما حصل مع الجولان السوري. وكلما اقترب موعد الإعلان عن صفقة القرن رسميًا مع ما يتطلبه ذلك الموعد من توفير أموال طائلة لانتزاع قبول النظام السياسي العربي الرسمي، كلما أخذت عناصر هذه الصفقة التصفوية تتضح أكثر فأكثر، خاصة بعد إعادة انتخاب نتنياهو كأخطر مخطط إمبريالي أمريكي صهيوني يستهدف أمن المنطقة العربية ومستقبلها السياسي.

لنــا كلـــمة