شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الجمعة 26 إبريل 2019م11:52 بتوقيت القدس

أسرى الحرية.. معركة فاصلة

14 إبريل 2019 - 06:19
علي جرادات
شبكة نوى، فلسطينيات:

الهجمة التي يتعرض لها أسرى حرية فلسطين في سجون الاحتلال «الإسرائيلي»، لا تستهدف أسرى هذا السجن أو ذاك، ولا أسرى هذا الفصيل أو ذاك، ولا تتعلق بسحب أو تقليص هذا الإنجاز الاعتقالي أو ذاك، ولا هي، (الهجمة)، ناجمة عن احتكاك طارئ أو عابر بين الأسرى و«إدارة مصلحة السجون العامة»، الذراع التنفيذية لحكومة الاحتلال، بل هي هجمة سياسية عنصرية فاشية مبيتة شاملة اتضحت ملامحها وأهدافها في التوصيات التي قدمتها لحكومة الاحتلال اللجنة التي شكلها وقادها وزير الأمن الداخلي، العنصري حدَّ الفاشية جلعاد أردان، وتم الإعلان عنها وإقرارها، (التوصيات)، في سبتمبر/أيلول الماضي، وطالت جميع جوانب حياة هؤلاء الأسرى: الإدارية والأمنية والمعيشية والمالية والثقافية والتنظيمية، (بالمعنييْن الحزبي والوطني الاعتقالي).

إنها هجمة تعكس غطرسة حكومة الاحتلال التي تستغل انعكاس انقسام الحركة الوطنية على الأسرى، لإعادة الأخيرين لمعادلة القتال الصفري من خلال سحْبِ أو تقليص ما انتزعوه، بالدم والجوع، من إنجازات ومكتسبات على مدار عقود، وإعادة التعامل معهم إلى ما كان عليه الحال في نهاية ستينات وبداية سبعينات القرن الماضي. وكان لافتاً تزامن هذه الهجمة مع قرار حكومة الاحتلال اقتطاع المبلغ المخصص لعائلات الشهداء والأسرى والجرحى من أموال «المقاصة» التي تحولها ل«السلطة الفلسطينية» للضغط عليها وابتزازها وإجبارها على التخلي عن واجبها الوطني تجاه قطاع أساسي في النضال الوطني، وذلك في إطار محاولة فاشلة لتعميم وتكريس اتهامات الاحتلال لهؤلاء الأسرى ب«المخربين» و«الإرهابيين»، وهو الأمر الذي لا يمكن أن يقبله حرٌّ من أحرار العرب والعالم، فما بالك أن يقبل به الفلسطينيون أنفسهم؟ 

وأكثر، إنها هجمة مسعورة غير مفصولة عن خطة الاستسلام التصفوية التي تستهدف الشعب الفلسطيني، قضية وحقوقاً ونضالات ورواية وطنية، ذلك بحسبان أن هؤلاء الأسرى يمثلون ذاكرة اشتباك مديد شامل مفتوح بين مدججين يملكون كل عوامل القوة الفيزيائية، وعزَّل لا يملكون سوى إرادتهم، ورسوخ انتمائهم لشعبهم، وثبات قناعتهم بعدالة قضيتهم، ويقين ثقتهم بحتمية الانتصار، مهما طال الانتظار، عزَّل لم يستسلموا لاختلال ميزان القوى، بل واجهوا، وما زالوا يواجهون باستنفار عوامل قوتهم المعنوية والأخلاقية، وتأجيج الكامن، وتنظيم جهودهم في قوة جماعية كفاحية منظمة، هي ما بات يُعرف ب«الحركة الوطنية الفلسطينية الأسيرة» التي تشكلت، وفرضت قانونها الممهور بالدم والجوع، بتدرج وتراكم، في معمعان ما لا يُعد، ولا يُحصى من معارك قاسية مريرة، حتى بات فرسانها، بعد الشهداء، أكثر عناوين النضال الوطني الدفاعي التحرري شعبية، وفعالية، وحضوراً، وتأثيراً، ودوراً، ومكانة، وإلهاماً.

هذا يعني أننا إزاء معركة فاصلة قاسية ومريرة يتكالب فيها شذاذ الآفاق من الوزير إلى الجنرال إلى الضابط إلى الشرطي إلى الطبيب والممرض، لكن هؤلاء الأسرى العُزَّل المُكبَّلين هناك، في زنازين ضيقة، وخيام مهترئة، لا يُسلِّمون ولا يستسلمون، بل يتصدون بصدورهم العارية، إنما العامرة بالإرادة، كأن كل واحد منهم جيش في رجل، فجبلة بطولتهم ومعاناتهم، أصبحت مركباً عنيداً على التحلل، تتماهى مع لحمهم الحي ودمهم، ولا تنفصل عنهما. هنا يتجلى مكمن عبقرية المقاومة أن تعض على الألم، لتنتصر في النهاية.

ويعني، أيضاً، (وهنا الأهم)، أن على الحركة الوطنية، فصائل ومؤسسات وطنية عامة، في السياسة والميدان، أن تضع خلافاتها وانقساماتها وتجاذباتها جانباً، وأن تصطف، ومعها عموم الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات وأحرار العرب والعالم، خلف هؤلاء الأسرى، الذين يخوضون هذه المعركة الفاصلة، (معركة الكرامة)، ويديرونها، عبر قيادة موحَّدة تضم ممثلين عن جميع الفصائل، بعنفوان وحكمة ومسؤولية، سواء لناحية عدم مباشرة المعركة إلا بعد استنفاد سبل الحوار لتحقيق المطالب الأساسية، أو لناحية التدرج في زج الطاقات في المعركة، بما يطيل أمدها، اتصالاً بطبيعتها كمعركة سياسية تحتاج إلى طول نفس، أو لناحية اختيار التوقيت المناسب، حيث ستبلغ المعركة ذروتها في يوم الأسير الفلسطيني، 17 نيسان (إبريل)، أو لناحية الاتفاق الوطني على المطالب الأساسية لهذه المعركة الجديدة من معارك الحرب المفتوحة بين مدججين يتمنطقون هراوة وبندقية، وعزَّل يمتشقون إرادة وأمعاء خاوية، معارك «نعم لآلام للجوع.. لا لآلام الركوع».

لنــا كلـــمة