شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الجمعة 26 إبريل 2019م11:37 بتوقيت القدس

السيسي..."هديّة الشعب المصريّ لإسرائيل"!

22 يناير 2019 - 08:55
زهير أندراوس
شبكة نوى، فلسطينيات:

في خضّم هجمة التطبيع العربيّة مع كيان الاحتلال، لا أعلم حتى اللحظة، هل كتبت المقال في صحيفة "هآرتس" العبريّة يوم الـ21 من شباط (فبراير) من العام 2011 من باب السذاجة، أمْ من باب الحماسة، أمْ الاثنتين معًا؟ نُشِرَ المقال وأغضب الإسرائيليين من أقصى اليمين إلى أقصى ما يُطلق عليه اليسار الصهيونيّ. بكلّ وضوحٍ، وبدون لفٍ أوْ دورانٍ، طالبتُ السلطات المصريّة، بعد عزل، حسني مبارك، الذي كانت تعتبره تل أبيب كنزًا إستراتيجيًا، ونجاح ثورة 25 يناير، إلغاء اتفاق الذلّ والعار بين تل أبيب والقاهرة، "كامب ديفيد". وهو الاتفاق الذي أخرج أكبر دولةٍ عربيّةٍ من محور المُقاوَمة والمُمانَعة، ودمرّ لاءات الخرطوم: "لا تفاوض، لا صلح ولا اعتراف" (مؤتمر القمّة العربيّة في العام 1969)، ومنح الدولة العبريّة اعترافًا عربيًا، برعايةٍ أمريكيّةٍ، وباتت مصر تُغرّد خارج السرب العربيّ.

علاوة على ذلك، غنيٌّ على القول إنّ سيناء لم تُحرّر من الاحتلال الإسرائيليّ، بل تمّ استبدال القوات الصهيونيّة الغازيّة بقواتٍ من دولٍ أجنبيّةٍ أوْ متعددة الجنسيات، فيما قدّم السادات، الذي كان يحكم مصر بالحديد والنار، فلسطين على طبقٍ من ذهب للإمبرياليّة ورأس حربتها، أمريكا، ولصنيعتها إسرائيل. وبالتالي يُمكن القول والفصل والجزم إنّ هذا الاتفاق، الذي تمّ التوقيع عليه في البيت الأبيض عام 1979، فتح الباب على مصراعيه أمام التطبيع الكامِل والشامِل مع الدولة العبريّة، وتناسى قادة القاهرة، عن سبق الإصرار والترّصد، أنّ الاستعمار وموبقاته وزبانيته زرعوا هذه الدولة على أراضي شعب فلسطين، الذي هُجّر وشرّد في النكبة، ولكنّ الأخطر من ذلك، أنّ الاتفاق استباح أمام أعين العالم برّمته الدولة العربيّة الأكبر، ودفع الدول العربيّة إلى التفكير مُجددًا في علاقاتها مع إسرائيل، التي حصلت على بطاقة الدخول الرسميّة للوطن العربيّ، وما التطبيع الذي يحدث مؤخرًا إلّا تحصيل حاصل.

واليوم نُلاحِظ أنّ مصر تسير بخطىً واثقةٍ نحو الهاوية. فدورها الرياديّ في الوطن العربيّ بات في خبر كان، وأصبحت رهينةً للسعوديّة، التي أغدقت على النظام الجديد البلايين من الدولارات، بهدف السيطرة على السياسة الخارجيّة لمصر، ومن المُسلّمات أنّ الدولة التي لا تتمتّع باستقلالٍ اقتصاديٍّ، لا يُمكِنها بأيّ حالٍ من الأحوال أنْ تنتهج سياسةً خارجيّةً مُستقلّةً وبدون ضغوطاتٍ من دولٍ رجعيّةٍ، همّها الوحيد القضاء على كلّ توجّهٍ قوميٍّ، وتغليف أعمالها بغلافٍ دينيٍّ لتحقيق الهدف المنشود. والقاهرة التي تلقّت المساعدات السعوديّة بتلهفٍ كبيرٍ، أصبحت مُجبرةً على الرقص وفق موسيقى النشاز الذي يُلحنها ويعزفها آل سعود. والنتائج على الأرض تؤكّد لكلّ مَنْ في رأسه عينان أنّ مصر تدفع فاتورة المساعدات عبر المواقف السياسيّة. وهنا المكان وهذا الزمان، لتذكير مَنْ يُعانون من الذاكرة الانتقائيّة أوْ القصيرة، أوْ الاثنتين معًا، أنّ القائد والمُعلّم والمُلهم، الشهيد جمال عبد الناصر، كان قد قال إنّ دمشق هي قلب العروبة النابض، فيما أرسى الشهيد البطل غسّان كنفاني مقولته المأثورة: " السعودية وراء كلّ خيانة، وإذا وقعت خيانة في أيّ مكانٍ، فابحثوا عن السعوديّة".

وفي هذا السياق يتبادر إلى الذهن السؤال التالي: الرئيس المعزول، محمد مرسي، أعلن خلال فترة رئاسته القصيرة عن قطع العلاقات مع سوريّة، لا مع إسرائيل، لا سمح الله، وما زال النظام الحاكِم في مصر ينتهِج السياسة عينها، وما زالت العلاقات مع سوريّة، التي تتعرّض لمؤامرةٍ كونيّةٍ، مقطوعة. ومردّ ذلك، باعتقادنا المتواضع، أنّ مصر باتت تابعةً بالمُطلق للسعوديّة، التي تكّن العداء لبلاد الشام، وتقوم بتزويد الجماعات التكفيريّة بالأسلحة والعتاد بهدف تفتيت وتمزيق الدولة السوريّة، وبالتالي من يُعوِّل على النظام الحاكم في مصر لا يُعوّل عليه، ذلك أنّ السعوديّة، التي تدفع الأموال لدعم الاقتصاد المصريّ، لن تسمح لهذه الدولة بالخروج من "بيت الطاعة" وإعادة علاقاتها مع سوريّة، بكلماتٍ أخرى، مصر تُشارِك من حيث تدري أوْ لا تدري في المؤامرة على سوريّة، والمصالح بينها وبين السعوديّة والإمبرياليّة والصهيونيّة تتساوق في هذه القضيّة: فكيف يسمح المصريون لأنفسهم باستقبال السفير الصهيونيّ في القاهرة، بينما يمنعون السفير السوريّ من الدخول إلى الأراضي المصريّة؟

وعودٌ على بدءٍ: بعد نجاح ثورة الـ25 من يناير استبشرنا خيرًا، اعتقدنا بأنّ مصر ستعود إلى الحاضِنة العربيّة القوميّة، وتدعم بكلّ ما أوتيت من قوّةٍ الفلسطينيين، وتعمل من أجل حلّ قضيتهم، خصوصًا وأنّه مرّ أكثر من 70 عامًا على اغتصاب فلسطين فرادي وجماعات، عوَّلنا على النظام الجديد بأنْ يعمَل على فكّ الحصار المفروض على قطاع غزّة منذ العام 2007 من قبل الاحتلال الإسرائيليّ، وكنّا على إيمان بأنّ القاهرة، ستقوم بتخفيف الحصار على أكبر سجنٍ في العالم، الذي يقبع فيه أكثر من مليون ونصف المليون من الفلسطينيين في قطاع غزّة، ولكنّ الرياح تجري بما لا تشتهي سُفُن الإنسانيّة والتعاضد العربيّ. السلطات المصريّة واصلت فرض الحصار، لا بل أكثر من ذلك، أحكمته أكثر، ولم تجرؤ على فتح معبر رفح، المنفذ الوحيد لإخوتنا في غزّة. من هنا نصل إلى قناعةٍ بأنّ النظام الحاليّ في مصر هو أسوأ من نظام مبارك في هذه القضية العينيّة، ومصالحه تتماهى مع مصالح تل أبيب واشنطن، والإمعان في إفقار الشعب الفلسطينيّ بالقطاع سيؤدّي عاجلاً أم أجلاً إلى حرفه عن بوصلة تحرير فلسطين، والتركيز في كيفية الحصول على رغيف الخبز، وهذا الموقف المصريّ المُعيب يُسّجل عليه وليس له، خصوصًا وأنّ طعنات الأقارب هي المُوجِعَة لأنّها تأتي من مسافاتٍ قريبةٍ.

أمّا عن نظام السيسي فحدِّث ولا حرج: الجنرال الإسرائيليّ المُتقاعد، آفي بنياهو، قال في صحيفة (معاريف)، إنّ السيسي هدية شعب مصر لإسرائيل، أمّا الباحث في مركز أبحاث الأمن القوميّ الإسرائيليّ، أوفير فنتور، فأكّد أنّ تل أبيب حققت إنجازًا كبيرًا بصعود السيسي، لافتًا إلى أنّ هذا الإنجاز تمثل في تقليص مكانة القضية الفلسطينيّة والحدّ من مكانتها في الجدل العربيّ العّام، مشيرًا إلى أنّ السيسي حرِص على التقليل من شأن الموضوع الفلسطينيّ بحجة الاهتمام بالشأن المصريّ الخّاص، مُشدّدًا على أنّ إسرائيل استفادت من حرص القاهرة على تعميق التعاون الاقتصاديّ وتكريس التطبيع السياسيّ والثقافيّ.

لنــا كلـــمة