العولمة الثقافية وتداعياتها على المجتمع العربي (2)
تاريخ النشر : 2014-02-08 02:55

يتبع مقال العولمه الثقافية

 أبعاد العولمة ومجالاتها:

 

من السهل القول أن مكونات العولمة العملية التبادلية التجارية وما يوازيها من انتشار تكنولوجي وسيطرة الدول المتقدمة على رؤوس الأموال وسائر وسائل الإعلام الشهيرة، لكن من الصعب تخيل الدقة التي تسير عليها العملية والتعقيد مما يجعلها تسيطر على العالم بشكل متواصل وبترابط دقيق، إنها مكونات تعمل في خدمة فكرة العولمة.

وعلى سبيل المثال فإن الإعلام إحدى هذه المكونات التي تستخدمها العولمة في فرض نفسها عبر التكتلات الجارية، لدرجة إنها باتت تمس بالحقوق المدنية والسياسية الأساسية لحرية التعبير, في هذا الأمر يقول سيس هايملنك: "أن ما يحدث هو أن هذه التكتلات تقلل من عدد القنوات التي يمكن أن يستخدمها المواطن للتعبير عن رأيه وسماع رأى الآخرين, في ظل سوق تهيمن عليها القوى ويصبح من السهل إقصاء وتهميش بعض وجهات النظر ورخص بعض أشكال الدعاية". (هايملنك، 1998)

وكذلك نجد نمو هذه الهيمنة خلال مجال العولمة السياسي، وتصبح كل همها ابتلاع شؤون الدولة وتركها على حاله من اللزوجة أمام مصالح شركاتها ومؤسساتها الكبرى سواء الاقتصادية أو السياسية، وتحل محل الدولة في ميادين المال والاقتصاد، وهكذا تتقلص شؤون الدولة إلى شأن واحد تقريباً هو القيام بدور الدركي لنظام العولمة نفسه.(الجابري، 2003)

 

  المكونات:

منذ بدايات ازدهار العولمة ركز أهم منظريها -حين قدموا مبادرة كبرنامج عمل يضمن للولايات المتحدة الأمريكية الهيمنة على العالم- على ثلاثة مجالات تعتبر الأهم للعولمة كي تخترق العالم:

المجال الأول يتعلق باستعمال السوق العالمية كأداة للإخلال بالتوازن في الدول القومية.

المجال الثاني يخص الإعلام والثقافة بوصفه القضية المركزية التي يجب الاهتمام بها لإحداث التغيرات المطلوبة على الصعيد المحلى والعالمي.

المجال الثالث يتعلق بالسوق كمجال للمنافسة، وذهبوا مذهباً قصياً باعتبار السوق مجالاً " اصطفاء الأنواع " والبقاء للأقوى. (الجابري، 2003)

 

  مجالات العولمة ومظاهرها:

                    تعبر العولمة عن نفسها في عدد من المظاهر المادية والروحية التي تنتظم في مجالات عدة، وأشكال متنوعة تتضمن كل الأبعاد الحياتية المختلفة بما في ذلك الاقتصاد والسياسة والثقافة والاجتماع, والتي تتداخل مع بعضها البعض لتشكل عالماً بلا حدود، والجدير بالذكر أن رد مظاهر العولمة إلى هذه المجالات هو من باب التصنيف والتقسيم، وإلاّ فإن كل مجالات العولمة تتأثر وتؤثر في بعضها البعض.

              ولعل شمول ظاهرة العولمة تمثل أحد أبرز أسباب خطورتها على العالم عامة وعلى العالم العربي بوجه خاص, لا سيما في مجالي الثقافة والاجتماع, ثم سبب آخر من أسباب خطورة الظاهرة, يتمثل في اتجاه تشكلها الغربي, وذلك بفعل مجموعة من العوامل، مثل توافر أسباب القوة والسيادة لدى مروجي العولمة, فضلاً عن امتلاكهم أدوات الاختراق لشتى مناطق العالم. (غزال، 1999)

 

وفيما يلي عرض لأهم مجالات العولمة:

العولمة السياسية: وتعني عكس سيادة الدولة، أي فقدان الدولة لسيادتها, ودورانها في عجلة العالمية، وهو هدف تحاول الدول الراعية للنظام العالمي الجديد تحقيقه تحت مسمى العولمة، وحدوث ذلك يؤدي إلى فقدان الدول نفوذها وتأثيرها في عالم السياسة " (كنعان، 2000).

العولمة الاقتصادية: "هي حقيقة التحول الرأسمالي العميق للإنسانية جمعاء في ظل هيمنة دول المركز بقيادتها وتحت سيطرتها وفي ظل سيادة نظام عالمي للتبادل غير المتكافئ ".(خريسان، 2001)

العولمة الاجتماعية: وفيها " تتعرض مؤسسات المجتمع لكثير من الضغوط الخارجية التي تستهدف التأثير في معتقدات أبنائه ومشاعرهم واتجاهاتهم وانتمائهم إلى مجتمعهم من خلال مجموعة التقنيات الحديثة المتطورة، والبث الإعلامي المباشر واختراق سماء تلك الحدود، ومن شأن ذلك التأثير في شخصية الفرد نفسياً واجتماعياً وعقلياً بتقبل ما يستقبله من أفكار تؤثر في انتمائه للمجتمع " (كنعان، 2000).

العولمة الثقافية: " يقصد بها بروز الثقافة كسلعة عالمية تسوق كأي سلعة تجارية أخرى، ومن ثم بروز وعي وإدراك ومفاهيم وقناعات ورموز ووسائط ثقافية عالمية الطابع " (خريسان، 2001). أو هي محاولة لوضع شعوب العالم في قوالب فكرية موحدة وذلك لسلخها عن ثقافتها وموروثها الحضاري، " فالعولمة نظام يقفز على الدولة والأمة و الوطن، نظام يريد رفع الحواجز والحدود، إنه نظام يعمل على إفراغ الهوية الجماعية للأمة من أي محتوى، ويدفع إلى التفتيت والتشتيت ليربط الناس بعالم اللاوطن واللاأمة واللادولة " (الجابري، 1998).

ومثل هذه التوصيفات كثفت تواجد العولمة الحديثة في الشق الاقتصادي والثقافي والسياسي والاتصالي ضمن عمليات وسياسات تحاول الدول الكبرى تعميقها في العالم الثالث، فالشق الاقتصادي يتضمن مفهوم الانفتاح الاقتصادي بين الدول وتحرير التجارة بين الدول الأورومتوسطية، والشق الاجتماعي والثقافي نجد أن التركيز فيه يعتمد على تنشيط حوار الثقافات والأديان ودعم الإعلام الحر وتنميط القيم والأذواق في الأكل والملبس وأنماط الاستهلاك.(النوري، 2006)، أما الشق السياسي والأمني فيتضمن الضغوط الخارجية, والتأثيرات البيئية لانتشار الأسلحة النووية والهجرة غير الشرعية والتهريب والجريمة المنظمة والإرهاب وتحقيق الأمن، وكلها تعتبر محوراً رئيسياً في العلاقات الحالية بين الدول والتأكيد على الديموقراطية واحترام حقوق الإنسان والحريات المدنية والتنمية الاقتصادية.

وأخيراً الشق الاتصالي يتحدث عن ارتباط الأعلام بالبنية السياسية الدولية وبالبنية الاقتصادية والبنية الثقافية, أما الإعلام في الوقت الحاضر هو عالم بلا دولة وبلا أمة ولا وطن؛ لأن الحكومات مفقودة السيطرة على فضائها الجوى وأصبح الفضاء اللامحدود هو المكان الذي تتحرك فيه العولمة الإعلامية, وهذا المكان أو الوطن يستخرج ما يزيد عن 500 قمر صناعي تدور حول الأرض, ويستقبل بثها أكثر من مليار من أجهزة التلفاز, وإن إحصاءات منظمة اليونسكو توضح أن هناك أكثر من ثلاثمائة شركة إعلامية الأولى في العالم بينها 144 شركة أمريكية و 80 أوروبية و 49 يابانية.(الوالي، 2003).

 

 سمات العولمة:

تتسم العولمة بمجموعة من السمات نورد أهمها:

 

أ-الفردية:الأنا خلقت وبلورت ظاهرة العولمة منذ قال آدم سميث: ( دعه يعمل.... دعه يمر), وهذه الأنا وعلى مر التاريخ كانت تتنامى عبر حرية الفرد بتنامي حرية البضائع والتسويق, فالنظرية الليبرالية القائمة على حرية الفرد هي التي طورت وضخمت هذه الأنا لتتبناها بعد ذلك العولمة حتى تحولت إلى أنوية قطب واحد يقود العالم، كان فيما مضى أوروبا والآن هو قطب أمريكا.

ب-شمولية العولمة:من أهم مزايا العولمة عدم القدرة على تجزئتها بل هي شمولية تتصل مكوناتها ببعضها البعض, وحين تؤثر على بلد يكون ذلك بكليتها، والدعوة إلى التجزئة تسخيف للعقل العربي واستهانة بقوة تغلغلها، وهذا رد على بعض الأصوليين والقومين الذين يطالبون بالانتقاء، وأخذ الحسن وترك السيئ, فمثلاً لماذا لا نشترى أجهزة الحاسوب؟ ولكن نترك الحرية وحقوق المرأة, وهذه الدعوة تؤدى إلى مزيد من التخلف العربي الذي يأتي بالتكنولوجيا لكن يجهل التعامل معها وتوطينها، وهي دعوة متكررة وقديمة للقبول بالتحديث دون الحداثة.

ت-الحتمية: يجب التسليم بأن العولمة قدر، ووجودها في أي دولة هو أمر حتمي وفق سيرورة تاريخية, لذلك لا تستطيع أن تقف في وجهها حضارة دون أن تفتتها وتدفعها معها ككرة الثلج المتدحرجة والمستمرة, ومن هنا يسميها البعض بالعولمة المتوحشة أو غول العولمة إلى درجة خرجت فيها عن سيطرة الدول الكبرى التي أطلقتها، لكنها الآن أصبحت قوية ومستقلة.

ث-عالم البلا: تسعى العولمة لخلق وطن مغاير تبنيه شبكات الاتصال المعلوماتية الإلكترونية، ويسمى بالفضاء (السيبر نيتى) نسبة إلى السيبر نيتيك " العلم الذي يدرى طرق سيلان المعلومات ومراقبتها عند الكائنات الحية داخل الأجهزة الآلية والمنظومات الاجتماعية والاقتصادية" (الجابري، 2003)، وهذا الوطن بلا حدود ولا دين ولا تاريخ ولا ينتهي عند اللحظة، بل يخلقها ويحرقها متقدماً إلى المستقبل, وطاوياً الماضي، إنه وطن فيه الإنسان مكرر عالمي ليس له هوية تميزه، فالجميع يرتدي الجينز، ويأكل من مطاعم الماكدونالد ويشرب البيبسي، وكما يقول أحد معارضي العولمة الكبار إن" العولمة هي عالم البلا مكتبة بلا رفوف و جنس بلا رفقة.... وعالم بلا مسافات".( الصوراني، 2006)، "السوق يتحول إلى ديانة نفسه حين يصبح المحرك الوحيد في العلاقات الاجتماعية الشخصية أو القومية والمصدر الوحيد للسلطة والتسلسل الاجتماعي" (جارودي، 1999 )، وربما هذا ينبئ بنهاية التاريخ التي تحدث عنها فوكوياما.

 

 

خلاصة:

رغم فاعلية وسائل العولمة ومجالاتها إلا أن العقد الأخير يثبت أنه في الوقت الذي تتفجر فيه ثورة العولمة متدفقة على جميع البلدان عبر العلاقات السياسية والاقتصادية ووسائل الأعلام إلا إننا نجد وعياً عكسياً ينمو ضد هذه العولمة، إنه وعي المجتمعات الإنسانية بأهمية الهوية والمواطنة والأمة الواحدة.، وربما يؤدى هذا الوعي إلى انبعاث أيدولوجيا من الأنقاض بشكل أكثر تعصباً وتشدداً كالدعوات التي تنادي للعودة إلى القبلية والطائفية والمذهبية والقومية.(حجازي، 2003)

والمتابع لتاريخية مجالات العولمة يلاحظ أن المكونات الثقافية والسياسية والاتصالية كانت تابعة للشق الاقتصادي في ظهورها، إلا إنها تميزت بالتاريخ الحديث خاصة الشق القانوني "القانون الدولي وقانون حقوق الإنسان"، وهذا لا يعنى أن الاقتصاد الأقوى يملك الثقافة الأفضل والقيم الأفضل, فالأمر يرتبط بإمكانيات وليس أفضليات.(أبراش، 2004)

              ويمكن القول بأن العلاقات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية يؤثر فيها النمط الثقافي العام، فالثقافة كلمة تطلق على قيم المجتمع، وسلوكياته وأهدافه ونظمه السياسية وقواعده الاقتصادية، وعلاقاته الإنتاجية السائدة بين أفراده، وما تفرزه هذه العلاقات من علاقات اجتماعية متباينة، وإلى جانب كل ذلك، فإن الثقافة تطلق أيضاً على جميع الأفعال والمتغيرات التي تعطي المجتمع طابعاً خاصاً بما في ذلك طريقته في النظر إلى الحياة أو التعامل معها.

 

 

 

  العولمة الثقافية المكونات والأدوات:

 

  مفهوم العولمة الثقافية:

إذا كان للعولمة مفهومها الاقتصادي والسياسي والاجتماعي فلها- أيضاً- المفهوم الثقافي والذي جاء نتاج تطور ثورة الاتصالات والمعلومات والوسائل التكنولوجية، فبيل جيتس يؤكد بأن التكنولوجيا المعلوماتية ستحكم معظم التصرفات الإنسانية( الرشيدي ،1999)، و يؤكد ذلك ميشيل إده بأَنه " لا يمكن تصور العولمة بمعزل عن هذه الثورة المعلوماتية التي تتجلى خاصة بما يسمى الاتصالية". ( إده، 1997)، أما برهان غليون فيذهب إلى أَن العلاقة بين العولمة والمعلوماتية متداخلة بحيث قاد كل منهما إلى الآخر، فالمقصود بالعولمة، عنده، هو "الدخول، بسبب تطور الثورة المعـلوماتية والتقنية والاقتصادية معاً في طور من التطور الحضاري يصبح فيه مصير الإنسانية موحداً أَو نازعاً للتوحد" (عبيد، 1997)، وليعطي العولمة بذلك معنى وبعداً شموليا يطوي تحت جناحيه: الاقتصاد والتقانة والمعلوماتية في آن معاً.

بينما يرى بعض مؤيدي العولمة بأنها نزوع إنساني يطمح إلى الوحدة الإنسانية والتآلف بين مختلف الأمم على نحو مشابه، إلى حد ما للنـزعة الأممية التي كانت تنادي بها الاشتراكية، ويؤيد هذا الأمر أَلفين توفلر حيث يرى أَن: " أَهم سمات الموجة الثالثة: بناء مجتمعات تفتيت الكتل، وإنشاء نظامٍ متقدم للمعلومات يعتمد أَساساً على التطور الهائل في الحاسب الآلي وأَنظمة الاتصالات، والمواد الجديدة، والتطور في إنتاج الطاقة، والدِراية الفنيـة المتقدمة، والمعرفة التي تعمل على توفير الوقت والمكان؛ سواء في أَماكن التخزين أَو وسائل النقل، وفي سرعة التوزيع، والاتصال بين المنتج والمستهلك، هذه المعرفة التي تقودها العقول البشرية، وهكذا يحل رأس المال البشري محل رأس المال المصرفي( بدران، 2001)، الأَمر الذي يجعلنا غير قادرين على إنكار حقيقة أَن العولمة أصبحت واقعاً لا مفر منه، وأَن "واحداً أَساسيا من العناصر التي تضفي على العولمة طابعاً موضوعيا من الاستمرارية والشمولية يستحيل إبطاله أَو إلغاؤه برغبة ذاتية، كونها نتاج التقدم العلمي والتقاني العاصف، المذهل، لقدرته ووثائر سرعته".( إده، 1997)

فعولمة الثقافة والإعلام سمة رئيسية من سمات العصر، وهي امتداد أو توسع في مناطق جغرافية مع تقديم مضمون متشابه وذلك كمقدمة لنوع من التوسع الثقافي نتيجة ذلك التطور لوسائل الإعلام والاتصال، التي جعلت بالإمكان فصل المكان عن الهوية، والقفز فوق الحدود الثقافية والسياسية، والتقليل من مشاعر الانتماء إلى الوطن " قرية كونية صغيرة "، وبمعنى آخر صياغة مكون ثقافي عالمي له قيمه ومعاييره وتقديمه كنموذج ثقافي للعالم أجمع. ( العالم، 1993)، ومن ثم فإن عولمة الثقافة والإعلام توصف بأنها عملية تهدف إلى التعظيم المتسارع والمذهل في قدرات وسائل الإعلام والمعلومات على تجاوز الحدود السياسية والثقافية بين المجتمعات، بفضل ما تقدمه تكنولوجيا المعلومات الحديثة من تكامل واندماج بين هذه الوسائل، بهدف دعم وتوحيد ودمج أسواق العالم وتحقيق مكاسب لشركات الإعلام والاتصال والمعلومات العملاقة، وهذا على حساب دور الدولة في المجالات المختلفة، بما يعزز سيادة الأنموذج الحضاري الغربي المتمثل في هيمنة الرأسمالية على الاقتصاد العالمي ومؤسساتها الدولية، وسيادة الثقافة الغربية، وبالذات الطابع الثقافي الأمريكي، مما يجعل الثقافات الأخرى في موقع التابع. إنها إذن تحيل إلى حضارة تعمل على إلغاء الآخر ونفي ثقافته، وبسط نماذجها وأساليب تدخلها في الفضاء والزمن، وأشكال تنظيمها للسياسة وللعلاقات الدولية. ( العالم، 1993)

ويعتبر أصحاب هذا المنظور العولمة الثقافية انفتاح أفق العالم أمام الأمركة، حيث الإنتاج المتخطي للحدود يتصل بعوالم الوعي والرموز الثقافية للثقافات المحلية، ليتوحد الجميع بناء على خطة مرسومة، ومن ثم إلغاء الهويات القومية والثقافات الإنسانية الأخرى بحيث تضحى الثقافات المحلية المعولمة، ثقافات لا ترتبط بأي مكان ولا بأي زمان فهي عديمة السياق، وخليط حقيقي من العناصر المتناقضة، لتفرض أنموذج الأمركة عبر ثورة الاتصالات والهيمنة الاقتصادية والسياسية للولايات المتحدة وأدوات ومؤسسات العولمة، انطلاقا من فرضية أن الحضارة الغربية حضارة كونية وليست مجرد إفرازات ونتائج لظروف تاريخية واجتماعية محددة لجماعة من الجماعات أو أمة من الأمم.( هنتنجتون، 1998)

أما دعاة العولمة فيرون أن التخطيط أو التوحيد الثقافي هو مرآة التطور الاقتصادي للعولمة، فمن البديهي أن يتكامل البناء الثقافي للإنسان مع البناء الاقتصادي المعلوماتي، وبالتالي فالعولمة الثقافية عندهم تعني الانفتاح على الثقافات الأخرى والاستفادة من خبرات ومعارف الدول باعتبار الحضارة الإنسانية كل لا يتجزأ، ويدعون إلى الاندماج في منظومتها الثقافية للاستفادة منها ومن أدواتها، وعدم الاقتصار على اكتساب مهارات وقدرات جديدة، مثل إجادة علم الحاسوب وتقييم البرامج والعمل في شبكة الإنترنت وإجادة اللغة الإنجليزية، بل أن يقوم الأفراد بتكييف اتجاهاتهم وأنماط تفكيرهم مع منظومة القيم وطرائق التفكير التي تتطلبها العولمة، لذا فتعريف العولمة الثقافية عند هذا الاتجاه يعني التقارب الذي يحدث بين ثقافات الشعوب المختلفة، لدرجة ذوبان الفوارق الحضارية بينها, وانصهارها جميعاً في بوتقة ثقافية واحدة ذات خصائص مشتركة، ويذهبون في الرد على معارضي العولمة بأنه ليس هناك ما يدل على أن اتجاهات العولمة تهدف بالضرورة إلى محو الهويات الثقافية المتعددة، فالعولمة لا تستطيع إلغاء تميز الثقافات. (طاحون، 2003)

وأما معارضو العولمة فيعرفونها: بأنها عملية هيمنة إعلامية وثقافية واقتصادية وحضارية، تقوم على أحادية في كل ذلك، لذا يعرفونها بأنها تعني: السيطرة على أفكار ومثل ومشاعر الشعوب العربية وإشاعة روح الانهزامية واليأس واللامبالاة والتفسخ الاجتماعي والخلقي بينها..الخ (خضر، 1994)، أو يعتبرونها غزوا ثقافيا لاقتحام عقول الشباب بهدف التأثير على قناعتهم وتوجيهها نحو الثقافة الاستهلاكية, وبالتالي خلق نوع من التقبل لنمط الثقافة الأمريكية، ونشر مبادئها وقيمها في المجتمع العربي ودول العالم الأخرى.( الجريبيع، 2000)، وبمعني آخر تعميم أنماط الثقافة الغربية عامة والأمريكية على وجه الخصوص وتوسيع  دائرة انتشارها، بحيث ترتبط أطراف العالم بهذه الثقافة الغالبة والمهيمنة، وتشكل انطلاقا من ذلك ثقافة عالمية واحدة تخترق الثقافات المختلفة بحيث تحولها إلى توابع تسبح في مدار هذه الثقافة العالمية.

ويضيفون بأن هيمنة العولمة الثقافية هي هيمنة شمولية كاسحة، تطال ثقافات العالم كله المتقدم والنامي على حد سواء ولكن بدرجات متفاوتة، وهي تطال في النهاية الهويات الثقافية ومقوماتها الرئيسة اللغة والدين والسمات التاريخية وأنماط العيش والسلوك والعادات والتقاليد.( عرسان، 2002)، بشكل يبرز الوجه الحقيقي لما يسمى بعولمة الثقافة التي لا تعني في جوهرها سوى السيطرة الثقافية الغربية على سائر الثقافات، وترسيخ ثقافة التبعية بينها للثقافة الغالبة بحكم قدرتها التواصلية والتفاعلية الهائلة، التي تمثلها العولمة الثقافية وارتباطها بالهيمنة الاقتصادية والإعلامية والمعلوماتية. (سبيلا، 2002)، ويرى بعض المثقفين العرب أن العولمة هي محاولة جادة ومستميتة لتنميط العالم ثقافياً، باستغلال ثورة الاتصالات العالمية وهيكلها الاقتصادي والإنتاجي بعماده المتمثل في شبكات نقل المعلومات والسلع وتحريك رؤوس الأموال، وقدرة الغرب على امتلاك أدوات نشر عالية التقنية، شديدة التأثير والجذب والفاعلية، سريعة التواجد والحضور، دائمة البث والإرسال، ومن بين هذه الأدوات نظم الفضائيات الحديثة، ونظم تخزين المعارف والعلوم وتكنولوجيا الإنترنت والقدرة المنظمة الهائلة على البحث والابتكار والإبداع.

وهناك اتجاه توفيقي يرى أصحابه في العولمة فرصة للتفاعل الإيجابي، الذي يرسخ قيماً ثقافية رئيسية مشتركة تجمع الثقافات في بوتقة، بحيث تكون الثقافات الوطنية مزيجاً من ثقافة دولية تحترم المعاصرة، وثقافة وطنية تحافظ على الأصالة؛ لذا يقولون بأن التعامل الثقافي العربي بحاجة إلى تحديد مواطن الترابط والتلاقي مع الثقافات الأخرى ومواطن التنافر، واكتساب المهارة التلقائية والاستجابة المعتمدة على القدرة على تحليل القيم والارتقاء في وعي المواطنين النظري والعملي، وهذا لا يعني فقدان الولاء والانتماء والاتصال بالواقع الوطني، لذا يقترحون عند التعامل مع العولمة مراجعة المعرفة التي تتصف بالقدرة على فهم الآخر والاستيعاب النظري للأفكار والمفاهيم والحقائق المعرفية والعلمية وتلك التي لا تتناسب مع مجتمعاتنا. (النوري، 2006)

ومما سبق وبمراجعة أراء المؤيدين والمعارضين والتوفيقيين من الباحثين العرب يميل الباحث إلى اعتبار أن العولمة الثقافية تهدف إلى طغيان ثقافة عالمية استهلاكية واحدة على الثقافات الوطنية، ويعزز ذلك إدراكنا بأن الاقتصاد بحاجة إلى التفرقة لكي يسود فكما نجد مقولة " فرق تسد " هي الحل لفرض نمط إنتاجي اقتصادي، فعلى الصعيد الثقافي فإن مقولة " وحد تسد " هي الحل لفرض نمط استهلاك ثقافي، ذلك أن نمط الاستهلاك الثقافي بحاجة إلى إلغاء التمايز كي يبنى بعكس نمط الإنتاج الاقتصادي الواحد، فالعولمة لا يمكن أن تبنى وتصل إلى نهايتها مع وجود التنوع الثقافي على الأرض، فهذا التنوع يشكل عائقاً أمام تقدم العولمة؛ وبالتالي يصبح هدف العولمة إلغاء أي تنوع ثقافي حتى يمكن السيطرة قومياً على نمط الإنتاج الاقتصادي العالمي.

فالعولمة الثقافية تقوم على اجتياح الثقافات الأخرى، وإذا كان لهذه الثقافات من بقاء فسيكون بقاءً فولكلورياً لمجرد الاستمتاع، وليس لتنمية وإخصاب الذات الإنسانية (1992,Robertson)،" أنها سيطرة القوى الكبرى والغالبة، وهي إلى جانب السيطرة الاقتصادية والسياسية، تمارس السيطرة الثقافية، وتستخدم كل تنوع ثقافي في سبيل التنكيل بالآخرين وإرهابهم لأجل استتباعهم ثقافياً، مستغلة في ذلك ثورة الاتصالات والإعلام وتكنولوجيا المعلومات والشبكات الإلكترونية كإحدى العناصر الهامة التي من شأنها المساهمة في هذه السيطرة، وفي ذات الوقت نقر بأن التنوع الثقافي يتعلق بقدرة الأفراد والجماعات على صيانة هذا التنوع