مفهوم العولمة:
مر ما يزيد عن العقدين والعولمة Globalization لا تزال في أوج ازدهارها متجاوزة بذلك القوميات والهوية والمواطنة، إلا أنها بقيت محاطة بالغموض والغَبش بسبب المتغيرات السريعة التي تحولها إلى عدد من الصور الحديثة، بشكل يزيد من العقبات أمام الباحث لتحديدها والوصول إلى تعريف جامع مانع لها، فقد اختلف المفكرون حول ظاهرة العولمة، لأنها في وسعها كالفيل الذي أصابه العميان, كل واحد من ناحية، وأخذوا يصفوه كما شعروا بتلك الناحية فقط.
أ-الأصل اللغوي:
العولمة صيغة صرفية مشتقه من فعل عولم ونقول: عولم الشيء أي نشره على مستوى العالم، وهو مصطلح معرب ليس له أصل في اللغة بل تم تقعيده لُغويا كباقي المصطلحات المعربة، والصيغة الصرفية لـ"عولمة" هي فَوعَله، ويشبهها الباحث محمد الجابري بصيغة قولبة في الاستخدام العربي الجاهلي التي تدل على تحويل الشيء إلى وصفية أخرى ووضعه في قالب ما (الجابري، 2003)، في حين يرى كريم النوري أن مصطلح عولمة مأخوذ من التعولم والعالمية والعالم، وهى تعنى اصطباغ عالم الأرض بصبغة واحده شاملة لجميع أقوامها، وتفسير النورى حمّل مشتق عولمة أكثر مما يحتمل، ونقله إلى احتمالات أخرى ليست لها أصلها اللغوي بل هي مشتقات جامدة.(النوري، 2006)
ب-اصطلاحا:
عرف المفكرون العرب والأوروبيين العولمة إما على أساس الناحية الاقتصادية، كما فعل عبد الغفار الشكر:"مرحله جديدة في عملية التوسع الرأسمالي".(الشكر، 2004)، وهذا الجانب الاقتصادي يراه أيضا إدريس هاني بأنه: "مرحلة تسلط هائل لمنطق السوق على القيم والأشياء، وتكييف كافة البنى والهياكل مع ما تفرضه ضرورات انسياب الرساميل على أوسع مدى ممكن. إنها مرحله القضاء المبرح على ميثولوجيا الدولة الاجتماعية" .(هاني، 2001)، وهذا التعريف قريب من مفهوم عماد الأطرش: "العولمة تعنى بشكل عام اندماج أسواق العالم في حقول التجارة والاستثمارات المباشرة وانتقال الأموال والقوى العامة والتقانة (التكنولوجيا), والثقافات ضمن إطار من رأسمالية حرية الأسواق، ومن ثم خضوع العالم لقوى السوق العالمية؛ مما يؤدي إلى اختراق الحدود القومية والانحسار الكبير في سيادة الدولة"، ويعتبر سمير أمين بأن العولمة لا يمكن أن تنتج سوى ما نراه حاليا من استقطاب الثروة والتدهور في أحوال شعوب بكاملها، وتنامي النزعة العسكرية (عسكرة العولمة)، والاحتلال، واضطهاد أُمم بأكملها، وتدهور أحوال العمال والفئات الوسطى، والنساء، والسكان الأصليين، وتفكيك الخصائص الثقافية للجماعات المختلفة، وتدمير البيئة، وتسليع الحاجات الإنسانية وتنميط الثقافة (أمين، 1992).
وهناك من أغراه التداول المعرفي لمفهوم العولمة، فقدم أكثر من مفهوم لها، كالمفكر محمد عابد الجابري, ففي أطروحاته العشر التي قدمها في ندوة بيروت عام 1998 كتب أنها: "نظام يعمد على إفراغ الهوية الجماعية من كل محتوى، ويدفع إلى التفتيت ليربط الناس بعالم اللاوطن واللاأمة واللادولة".(الجابري، 1998)، وفي كتابه قضايا الفكر المعاصر عرفها بأنها: "إلغاء حدود الدولة القومية في المجال الاقتصادي الحالي والتجاري، وترك الأمور تتحرك في هذا المجال عبر العالم وداخل فضاء يشمل الكره الأرضية أجمعها.(الجابري، 2003).
وهناك من يرى أن مفهوم العولمة يبرز من مكوناتها، كالمفكر جلال أمين الذي يرى أنها عبارة عن "ازدياد العلاقات المتبادلة بين الأمم سواء المتمثلة في تبادل السلع والخدمات أو انتقال رؤوس الأموال, أو في انتشار المعلومات والأفكار أو تأثر أمة بقيم وعادات غيرها من الأمم".(أمين، 1998)
ونجد كذلك السيد يسين عرف العولمة على أساس اعتمادها على ثلاث عمليات تكشف جوهرها: "العملية الأولى تتعلق بانتشار المعلومات بحيث تصبح مشاعة لدى جميع الناس، والعملية الثانية تتعلق بتذويب الحدود بين الدول, والعملية الثالثة هي زيادة معدلات التشابه بين الجماعات والمجتمعات والمؤسسات"(يسين، 1998)
ونجد أيضاً في معنى العولمة من ارتاح إلى ربطها بالإمبريالية كالباحث غازي الصوراني الذي عرفها بأنها: "الشكل الأخير والأعلى من تطور النظام الرأسمالي والإمبريالية العالمية"، وهو تعريف ينطلق من رؤية تاريخية للعولمة في أحد صورها الاستعمارية قبل أن تتحول إلى التوحش الشامل الذي هي عليه اليوم.(الصوراني، 2006)، ونرى الباحث عبد الإله بلقزيز ينتهج منهج الصوراني في أخذ الجانب الاستعماري منها معرفاً إياها بأنها: "الدرجة العليا في علاقات الهيمنة/ التبعية الإمبريالية, وهى لحظة التتويج لانتصار النظام الرأسمالي العالمي كونياً الذي خرج من الدولة الوطنية, وما برحت هذه أن تعيد إنتاجه داخل حدودها وخارجها على السواء".(المصراتي، 2003)
ويعرفها البعض بأنها إحدى صور الرأسمالية المتطورة التي تتواكب مع التطورات التكنولوجية والعلمية وثورة المعلومات والاتصالات، والأقمار الصناعية وأجهزة الحاسوب الالكترونية وظهور شبكة الإنترنت.(النوري، 2006)، بينما يعرفها مارتن شو " بأنها المرة الأولى في تاريخ البشرية التي يصبح في الإمكان إعطاء وصف لنظام من شبكات علاقات اجتماعية تتناول الشعوب قاطبة ".(المصراتي، 2003)
ونجد من المفكرين من ربطها بظواهر مجتمعية أخرى كالكاتب أنطونى غيدنز الذي ربطها بالحداثة قائلاً:" العولمة عملية إعادة تنظيم للوقت والمسافة والعلاقات الاجتماعية مما يستوجب إحلال الحداثة... مما يحقق ارتقاءً مفرداً في المجتمع الدولي برمته".(المصراتي، 2003)
وهناك مفاهيم سهلة للعولمة وشائعة الاستخدام بين الطلبة الجامعيين كالتعريف الذي أورده الكاتب كريم نورى في كتابه آفاق العولمة في البلدان النامية بأنها: "عملية دمج أسواق الدول المختلفة في سوق عالمية واحدة في جميع المجالات التجارية والمالية والسياسية والثقافية... ضمن إطار من الحرية الاقتصادية وسيطرة الشركات متعددة الجنسيات, وخضوع العالم لقوى السوق العالمي وقواعد قانونية واحده".(النوري،2006)
وأما أشهر التعريفات في العولمة فهو تعريف كل من جيمس روزناو وصادق جلال العظم, فالأول قال:"يقيم مفهوم العولمة علاقة بين مستويات متعددة للتحليل: الاقتصاد والسياسة والثقافة والأيدولوجيا، وتشمل إعادة تنظيم الإنتاج وتداخل الصناعات عبر الحدود وانتشار أسواق التمويل, وتماثل السلع المستهلكة لمختلف الدول, ونتائج الصراعات بين المجموعات المهاجرة والمجموعات المقيمة".(يسين، 1998), بينما العولمة عند العظم، هي:" وصول نمط الإنتاج الرأسمالي عند منتصف هذا القرن تقريباً إلى نقطة الانتقال من عالمية دائرة التبادل والتوزيع والسوق والتجارة والتداول إلى عالمية دائرة الإنتاج وإعادة الإنتاج ذاتها, أي أن ظاهرة العولمة التي نشاهدها بداية عولمة الإنتاج الرأسمالي.., وبالتالي علاقات الإنتاج الرأسمالية أيضا, ونشرها في كل مكان مناسب وملائم خارج مجتمعات المركز الأصلي ودوله, والعولمة بهذا المعنى هي رسملة العالم على مستوى العمق بعد أن كانت رسملة على مستوى سطح نمط الظاهرة"، وينتهي إلى صياغة تعريف عام للعولمة بكونها: "حقبة التحول الرأسمالي العميق للإنسانية جمعاء في ظل هيمنة دول المركز وبقيادتها وتحت سيطرتها, وفي ظل سيادة نظام عالمي للتبادل غير المتكافئ".(يسين، 1998)، إلا أننا نرى هنا أن العظم رغم أهمية تعريفه لم يخرج فيه عن مشكلة الماركسيين جميعاً حين يرون أن خطر العولمة يتمثل بهيمنة رؤوس الأموال، وفقر العالم الثالث فقط، ويهمشون الجانب المتعلق بنفي الهوية وخصوصية الحضارات.
وبالنظر إلى الآراء السابقة وغيرها من المفاهيم والتعريفات والدراسات المتباينة في شأن العولمة, يمكن التوصل إلى التالي:
تعدد أنماط العولمة أدى إلى تعدد في تعريفاتها، حيث ركز كل منها على جانب معين من جوانب العولمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية؛ لذا نجد إن بعض الباحثين ينظر إلى العولمة من جوانبها الاقتصادية, بينما ينظر آخرون إليها من جوانبها السياسية, في حين فئة ثالثة تنظر إليها من جوانبها الثقافية والإعلامية، والبعض الآخر ينظر لها من جوانبها الاجتماعية.. وهكذا.
كما تنوعت التعريفات لها ارتباطا بموقف الباحثين: فالذين نظروا لها من جوانبها الاقتصادية فهي تعني إزالة الحواجز السياسية والاقتصادية والاجتماعية حتى تتحرك رؤوس الأموال والأفكار والسلع والخدمات بحرية. وعند فريق ثانٍ, العولمة هي الوجه الحديث للاستعمار, والموجة الجديدة في سيطرة الغرب الأوروبي والأمريكي على مقدرات العالم الثالث، وعند فريق ثالث هي ظاهرة مقرونة بالعالمية مفروضة لا مجال لخيار فيها، أو هي بعد دائم لتطور المجتمعات. وعند فريق رابع هي المرادف الموضوعي للأمركة, وللهيمنة الأمريكية ولسيادة نمطها وأفكارها وثقافتها وأسلوب معيشتها. وعند فريق خامس هي ستار تتحرك تحته الشركات العملاقة متعددة الجنسيات وعابرة القارات, التي لها ميزانيات تفوق ميزانيات العديد من الدول, ولها مصالح لا تتطابق مع مصالح الدول, ولها طموحات لا تقف عند حدود. (نافع، 2002)، وعند آخرين هي نوع من القهر الفكري والحضاري. (عبد السلام، 2004)
بالمحصلة يمكن القول بأنه لا يوجد اتفاق واضح على وضع تعريف محدد للعولمة، كما أن العولمة ليست مفهوماً بقدر ما هي ظاهرة أو حالة، وأن استخدام تعبير العولمة قد شاع بعد سقوط الاتحاد السوفيتي وتفكك المنظومة الاشتراكية.
ج. تعريف الباحث الإجرائي للعولمة الثقافية:
نظرا لتنوع وتعدد تعريفات العولمة دون إيجاد صوغ موحد لها بين المفكرين والباحثين بسبب اختلاف أيديولوجياتهم، وكون عملية العولمة ذاتها معقدة ومتشبعة المجالات وغير مكتملة النضج في الوطن العربي، بل إن البعض يرى أنها عملية لا تزال في طور الصيرورة والتشكيل المستمر, تكشف كل يوم عن وجه جديد من وجوهها المتعددة, لذلك لا يخلو الأمر من تعريف يختاره الباحث وينطلق منه ومن بحثه؛ لذا فقد وقع اختيار الباحث على تعريف إجرائي للعولمة الثقافية: بأنها عبارة عن ظاهرة تفكيكية تستهدف الأمة الواحدة، أتت كتتويج لتعاظم شيوع نمط الحياة الاستهلاكي الغربي، وتعاظم آليات فرضه سياسياً واقتصادياً وثقافيا ًوعسكرياً بعد التداعيات العالمية التي نجمت عن انهيار المعسكر الشرقي، ابتداءً من عقل الفرد وليس انتهاء بسيادة الدولة باسم الليبرالية الجديدة.
د.المصطلحات ذات العلاقة
هناك العديد من المصطلحات التي لا تمتد جذورها لأكثر من خمسين عاماً في التاريخ الاجتماعي والاقتصادي والسياسي؛ لأنها في معظمها اقترنت بالدراسات الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية الحديثة، ومصطلح عولمة من ضمن هذه المصطلحات. ووفقاً لإصدار منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في أوروبا (OECD) فإن مصطلح "عولمة" استخدم لأول مرة عام 1985 من قبل المفكر ثيودرليفت عولمة الأسواق (The globalization market)، واستخدم ليفت هذا المصطلح لتوصيف التغيرات التي حدثت خلال الحقبتين الماضيتين في الاقتصاد الدولي, وأصبحت الكلمة المحورية في لغة العلاقات الدولية. (النوري، 2006)
وهناك قول آخر يجزم بأنه أول ما ظهر في دراسات وأبحاث حول إستراتيجية التسويق للمفكر الياباني فرانسيس فوكاياما ثم نقلته عنه الصحف الأنكلوساكسونية قبل أن يهيمن بعد ذلك على الخطاب السياسي النيو ليبرالى.(المصراتي، 2003)
وفي كل الأحوال فإن مصطلح عولمة أصبح موضة يُعلن عنه في الورشات والندوات الاقتصادية العالمية، وخاصة في تسعينات القرن الماضي بعد سقوط الاتحاد السوفيتي، وتذليل التبادل التجاري والسلعي والتكنولوجي، وصولاً إلى الألفية الحديثة التي شهد فيها المصطلح رواجاً كبيراً عبر استخدامه وكثرة الدراسات التي تتناوله.
هـ. أما من حيث أصل المصطلح فإن:
العولمة ترجمة للكلمة الفرنسية ( Mondialisation ) وتعنى نقل الشيء من المحدود المراقب إلى اللامحدود الذي ينأى عن كل مراقبة، والمحدود هنا الدولة القومية واللامحدود فضاء الكرة الأرضية، والكلمة الفرنسية المذكورة إنما هي ترجمة للكلمة الإنجليزية (Globalization)، وهى تفيد معنى تعميم الشيء وتوسيع دائرته ليشمل الكل.(الجابري، 2003)
ومن حيث ارتباطه بمصطلحات أخرى فإن:
مصطلح العولمة يرتبط بعدد من المصطلحات الحديثة الأخرى على مستوى ارتباط توالدي أو ارتباط تفرضه اللحظة التاريخية، فمثلاً مصطلح خصخصة يعتبر خطوة إلى العولمة وشرط من شروطها، وتعنى وضع الشيء على مستوى خاص ونقل ملكية الدولة إلى الخواص وهو ترجمة للمصطلح الأوروبي الحديثPrivatization.(الجابري، 2003)، وهناك مصطلحات لظواهر توالدت مع العولمة كظاهرة تعدد الجنسية Multi Nationalization.، وظاهرة التدويل Internationalization، وهناك مصطلحات لظواهر متداخلة في نشأتها مع العولمة كالحداثة Modernization، وما بعد الحداثة Post Modernity. ويفصّل هذه العلاقة أبراش بقوله: إن صلة الحداثة بالعولمة هو أن كليهما نعت لواقع مغاير عما سبقه, وعندما تم تداول تعبير الحديث Modern أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين كان مرادفاً لتعبير (الآن)، والعولمة هي حداثة الآن.(ابراش، 2004)
ومن أكثر المصطلحات التي قد تتقاطع مع مصطلح العولمة إلى درجة حدوث لبس فيما بينهما هو مصطلح العالميةUniversalism. والتي تعنى طموح الارتفاع بالخصوصية إلى مستوى عالمي، وتفتح العالم على ما هو عالمي, وهناك من يعتبرها الشق الإيجابي من العولمة، لكون الأخيرة تعنى السيطرة على العالم والقضاء على خصوصية أقاليمه، ولا تترك مجالاً لافتراض الحسن فيها.
أما حيث إنه كوكبة أم عولمة:
هناك من يرى أن الكلمة الإنكليزية Globalization لا يجب أن تكون ترجمتها عولمة، بل الأصح هي كوننة أو شوملة أو كوكبة؛ لأن المصطلح الانجليزي ينطلق من كلمة ( Global ) وهو كوكب الأرض، لكن عموم الباحثين يفضلون استخدام مصطلح عولمة؛ لأنه أكثر واقعية على مستوى التطبيق على الأرض, فكوننة الكوكب لم تتم بعد بل العولمة كانت على مستوى الدول.
نشأة العولمة ومراحلها:
لا نستطيع بأي حال من الأحوال القول بأن العولمة وُجدت فجأة على تطورها ونضجها الحاليين في العالم الغربي، بل هي ظاهرة تنامت على مر العصور، وكانت لها الظروف الخاصة الحاضنة والمواتية لنشأتها سواء العالمية أو الإقليمية.
النشأة:
يرى شق من الباحثين أن فلسفة العولمة التجارية موجودة منذ فهم الإنسان أهمية التبادل التجاري, وحتى أن فلسفتها الاستعمارية موجودة منذ بدأت الإمبراطوريات التاريخية العظيمة تطمح في السيطرة على الكيانات الأخرى الموجودة بجانبها كالحضارة الرومانية والإسلامية, معتبرين أن هذا الميل هو أصلاً عولمة, لكنه تكثف في مرحلة, حتى غدا عند أعلى صورة في الفترة الحالية.(المصراتي، 2003)، إلا أن هناك رأي آخر يؤكد أن العولمة لها خصوصيتها التي جعلت لها تاريخ نشأة محدداً، مثل أنها لا تعتمد على التحولات الاقتصادية والاجتماعية والجيبوليتكية فقط بقدر ما يميز اعتمادها على عامل أساسي هو المعرفة التي أدت إلى تطوير التكنولوجيا والتي بدورها زادت من الإنتاج، لذلك اعتبروا أن تاريخ انطلاقها محدد منذ القرن الثامن عشر، ولكن نشأتها كانت في القرن الخامس عشر حين بدأت العلاقات بين المناطق تأخذ صفات الدولية والقانونية أكثر من أنها تبادلات عفوية وفطرية تنتمي إلى العالمية الذي هو شعور فطرى في كل إنسان، بينما العولمة مشاعر حديثة استعمرت فيه لظروف دولية. (دبدوب، 1998)، وهذه العالمية هي ما دفع زينون عام 300 قبل الميلاد إلى وضع الفلسفية الرواقية في أثينا، والتي تدعو إلى وجود قانون لا يفرق بين البشر على أساس الدين أو الموطن أو الخلفية الاجتماعية.(أبراش، 2004)
مراحل العولمة
من وجهة نظر روبرستون:يعتبر تقسيم دونالد روبرستون في كتابه العولمة والضغوط الخارجية من أشهر التقسيمات التي يعتمد عليها الباحثون العرب في موضوع العولمة كالسيد يسين وعبد الله المصراتى وغازي الصورانى وهى المراحل التالية:
المرحلة الجينية: استمرت في أوروبا من بواكير القرن الخامس عشر حتى منتصف القرن الثامن عشر, وشهدت نمو المجتمعات القومية, ونمو الأفكار الإنسانية وبداية تبلور نظرية مركزية العلم.
مرحلة النشوء: امتدت منذ منتصف القرن الثامن عشر وحتى سبعينات القرن التاسع عشر, وهى الفترة التي تبلورت فيها مفاهيم العلاقات الدولية الرسمية, وظهور المؤسسات الخاصة بتنظيم العلاقات والاتصالات بين الدول, وبداية قبول المجتمعات غير الأوروبية في المجتمع الدولي وبداية ظهور فكرة العالمية.
مرحلة الانطلاق: واستمرت من سبعينات القرن التاسع عشر وحتى عشرينات القرن العشرين، وفيها تم دمج عدد أكبر من الدول في المجتمع الدولي, وتزايدت أشكال الاتصال الكونية, وظهرت الصراعات الدولية, وصور التنافس الدولي السلمي.
مرحلة الصراع من أجل الهيمنة: واستمرت منذ عشرينات القرن وحتى أواخر الستينات، وهى المرحلة التي تعاظمت فيها الخلافات والحروب الفكرية وظهر فيها العالم الثالث وإرساء الاستقلال الوطني.
مرحلة عدم اليقين: التي تجسدت فيها الصورة المعاصرة للعولمة وهى مستمرة حتى الآن. (المصراتي، 2003)
من وجهة نظر كبرايد:
وهناك مراحل أخرى وضعها بول كيركبرايد معتمداً على التحديد الزمني:
العولمة قبل الحداثة – ما بين بداية التاريخ وعصر النهضة.
العولمة في ظل الحداثة الجديدة 1500 – 1800 .
العولمة الحديثة 1850 – 1954 .
العولمة المعاصرة 1954 وحتى الآن. (ابراش، 2004).
من وجهة نظر النوري:
ونجد أن باحثا مهما ككريم النوري يقسم مراحل العولمة على أساس الأحداث التاريخية التي غيرت من مجرى التاريخ وأدت لظهور العولمة:
المرحلة الأولى بدأت في منتصف القرن التاسع عشر حتى نهاية الحرب العالمية الأولى، وتميزت بوجود القليل من الحواجز المصطنعة التي تقف حجر عثرة أمام حرية التبادل الاقتصادي بين دول العالم، ما أدى إلى تزايد وسهولة تدفقات رؤوس الأموال والأفراد عبر الحدود، وظهرت الشركات القابضة Holding Companies في كل من بريطانيا وألمانيا وفرنسا وبلجيكا، وبدأت حركة الهجرة من أوروبا إلى دول العالم الأخرى وانتقال رؤوس الأموال التي أسهمت في إنتاج المنتجات الأولية المختلفة، والتي كانت دول أوروبا الصناعية في حاجة لها، وقدرت الأموال التي وظفت في الخارج في 1913 م بحوالي 9-10 مليار جنيه إسترليني، وبلغ عدد المهاجرين في نفس الفترة حوالي 46 مليون نسمة.
المرحلة الثانية بدأت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945 إلى عام 1973، وتم خلالها توقيع معاهدات السلام وإنشاء الأمم المتحدة والعديد من الوكالات المتخصصة، وأهمها البنك الدولي للإنشاء والتعمير وصندوق النقد الدولي وغيرها، وأخذت الدول المختلفة تعيد بناء ما دمرته الحرب بسياسات مختلفة لتحقيق النمو والتطور الاقتصادي، وكتب فيها (فاينر) دراسته الشهيرة عن "الاتحاد الجمركي" والتي نشرت عام 1950م وأُعقبت بظهور العديد من الكتابات المتخصصة في هذا المجالK وظهر خلالها أيضاً النظام الاقتصادي العالمي بعد إنشاء نظام نقدي دولي إنشاء نظام تجاري دولي تشرف عليه سكرتارية الجات.
المرحلة الثالثة بدأت منذ عام 1974 حتى عام 1990 وكان على الدول النامية خلال هذه المرحلة أن تتحرك بشكل جماعي للإسهام وبفعالية في تشكيل هذا النظام الجديد وذلك من خلال حركة عدم الانحياز، وكان من أهم نتائج هذه المرحلة تزايد قوة تأثير صندوق النقد والبنك الدوليين وإشرافهما على تنفيذ برامج الإصلاح الاقتصادي في الكثير من البلدان النامية، كما برزت في نهاية هذه المرحلة العديد من التطورات والمتغيرات التي تمثل قوى دفع نحو النظام الاقتصادي العالمي الجديد.
المرحلة الرابعة تمتد منذ عام 1991 حتى الوقت الراهن، وتزعمت خلالها الولايات المتحدة الأمريكية دول العالم في المطالبة بنظام اقتصادي عالمي جديد ولاسيما بعد حرب الخليج الثانية، وتغير العالم بعد هذه الأحداث وظهر هذا من خلال مجموعة من المتغيرات الجذرية التي كانت بمثابة الإعلان عن بداية تكوين وتشكيل معالم آليات النظام الاقتصادي العالمي الجديد، وكان في مقدمة هذه التغيرات اتجاه معظم دول العالم إلى انتهاج سياسات الاقتصاد الحر، وتغليب آليات السوق، وتبني برامج موسعة للخصخصة، والتخلي عن التخطيط المركزي، وإزالة القيود والحواجز أمام حركة التجارة الدولية، وانتقال رؤوس الأموال والاستثمارات، وإنشاء التكتلات الاقتصادية. (النوري، 2006)
بينما ذهب سمير أمين إلى أن هذه الحالة الجديدة هي بداية مرحلة تاريخية انطلقت خلال الأعوام 1989 ـ 1991م من خلال الإخفاق التام المزدوج لطموحات أنظمة [الشرق وبلدانه] المسماة بالاشتراكية، وأنظمة [الجنوب وبلدانه] المسماة بالاستقلالية الوطنية، مختتمة عهد الحياد الإيجابي الذي عاش ثلاثين عاماً، أي جيلاً كاملاً، للفترة 1955 ـ 1985م. ويتوالد اليوم عهدٌ جديدٌ هو عهد السوق ـ Market الذي سيغدو محاولة جديدة لتوحيد العالم.( الجميل، 1997)
أما برهان غليون فقد رأى أَن هذه الظاهرة هي التطور الطبيعي للحضارة منذ أَقدم الحقب التاريخيَة، حيث انتقلت تقنيات الثورة التقنية الأولى المسماة بالعصر الحجر ثم التقنيات المرتبطة بالعصر الحديدي ... فالزراعي والتي بدأَت منذ عدة آلاف السنوات قبل الميلاد ... وهكذا يضع غليون هذه الظاهرة ضمن سياقها التاريخي، ولكن ما يميزها الآن هو:" كثافة المبادلات ب
