مأزق حضاري
تاريخ النشر : 2014-02-06 17:18

نعيش اليوم تناقُضا واضِحا بين القديم والحديث ، بين التقاليد التي نريد التمسّك ببعضِها ، والمُحدَث الّذي يُلغي هُويتنا ، ترى ما شكل الحريّة الّتي نرغبها ولا تُرغِمنا على التخلي عن ماضٍ كُنا فيه نصدّر المعرفة والعِلم والقيم للعالم ؟ لا أريد التخلّي عن ماضٍ أفتخِر به ، فهل من الممكن الجمع بين النموذج الغربي للحُريّة والاستقلالية ، و هويّتنا العربية وقيمنا ؟

مشاهدات مجتمعيّة يوميّة عنوانها (الانبهار بالغرب) مدارِسنا ، أسماء مطاعِمنا و مقاهينا ، طقوس وسلوكات تبذيريّة لا تمت لجوهر حياتنا العربية بصِلة ، لُغة عربيّة تضيع بين اختِراق ثقافي وصِراع أيديولوجي ، انسانيّة الانسان العربي اليوم التي أصبحت تقاس بعدد (الكريديت كارت) التي يحملها في محفظته ، تناقضات تزخر بها حياتنا العربية المعاصِرة في رحلة عسيرة للمطالبة بالحريّات ، فيشعُر الانسان الشريف أنّه مُضطّر لأن ينغمِس في دوامّة القطيع (المُستغرِب) ، والّا ستدوسُه أقدام العالم المجنون بتناقضاته .

انسانا اليوم تجده يلهث وراء مظاهر ماديّة وهميّة ، وينسى في غمرة لهاثِه الاحتِفاظ بنفسِه، ثمّة خلل - نحن مسؤولون عنه - عندما نحاوِل أن ننقُل النموذج الغربي (الهمبرجري) ونقلده ببغائيّة عمياء ، نعيش في عزلة عن ماضٍ ننتقده ونرفضه ، ومُحدَث نلهث خلفه ، وبين الماضي والحاضِر نزيّن نموذج الغرب (الهوليوودي) ونلمّعه ليصبح أكبر جاذِب لأبنائنا ، ويُصبِح أقصى طموح شاب لأن يهاجِر لبلاد العم سام ، حيث الحريّة والحُلُم.

لست ضِدّ الاضّطِلاع على الحضارات الأخرى ، بل أنا معها تماما ، لكن بأن ننهل من عُمق هذه الحضارة ، لا أن نكتفي بالوقوف على الشّاطىء وانتِظار ما يرمي به بحرها من بقايا وزوائِد. لقد استخدموا أدواتنا المعرفيّة وطوروها في الوقت الّذي توقّف فينا الزمن عند مفكّرين لفظهم العقل العربي لأنه لم يتطوّر ، وأجهز عليهم الّدين والمُشتغلين به ، حتّى المرأة العربية ذاتها اليوم تتصارع بين فكرتين ، (رجل شرقي) و(امرأة متحررة) ، مفاهيم أصبحت بحاجة لاعادة تعريف وتقويم ، فهي تريد مزايا الرجل الشّرقي والغربي في نموذج واحد ، رعاية العربي وبرود الغربي ، كرم العربي واحتضانه ، واحترام الغربي لعقلها وعملها واستقلاليتها ، وتفتقِد لشهريارها المُروض العتيق وقيسِها الهائِم على شواطىء حبّها .

الحرية لا تعني التماهي مع الغرب ، ولا تعني خلع الثّوب القديم وارتِداء مظاهِر التّرف الغربيّة ، الانسان العربي لا يصير غربي ، كما يتوهّم البعض ، بل يظل جزءا من نسيج المجتمع الشّرقي ، المطالبة بتحرير الانسان رجل كان أم امرأة (حاجة عَربية) وليست (موضة باريسيّة ) ، فلست مع الوقوف على بوّابات الحضارات الأخرى لأتسوّل حرية ليست على مقاسي ، ولست امرأة حرّة بمجرّد ارتِدائي مِعطف فرو ايطالي ، في بلد لم يحدُث أن انخفضت فيه درجات الحرارة لما تحت الصّفر ، وأنتَ لست حرُّا وأنت تحلِق ذقنك بشفرة انجليزية وتعطّرها ب( آفتر شيف) فرنسي الصّنع ،

الحرية الّتي أريد هي في تطوّر مفهوم القبيلة ، قبيلتي ، نفض العتيق والبالي والمحنّط من داخِل العقل العربي ، والاعتِراف بأني قد شاهدت رجلا يمشي على سطح القمر ،،،

أقسِم أنّي شاهدته

أريد مستقبلا يتغّذي من الماضي دون أن يُلغي أحدهما الآخر