تهديدات متغابية وشهيد جديد..!!
تاريخ النشر : 2014-01-30 01:08

ما تنفثه أصوات إسرائيلية ضد الرئيس محمود عباس، ليس فيه سوى السموم. فبدل السياسة يحل الغباء ويُعتمد. وأصحاب هذه الأصوات لا يحترمون عقل العالم ولا يأخذون الوقائع بعين الاعتبار، ويظنون أن الدنيا والتاريخ ينعقدان لهم الى الأبد، وأنهم أصحاب الحق في حمل مفاتيح الزمن والمستقبل، ويتحكمان في المصائر الى أن تقوم الساعة، وأن من أكثر قدراتهم تواضعاً، أن يتمكنوا من فرض صيغة اتفاق إسرائيلي، يتحول فيه وطننا الى مهاجع نوم بائسة مغلقة، ومبوّبة يفتحونها لمن يرونه صالحاً للعمل عندهم بالسُخرة. فهؤلاء الظلاميون المعتوهون، الذين نجحوا في تسويق أسطورتهم باعتبارهم شعباً، لا يفهمون معنى الشعوب ولا معنى التاريخ..!

فلو أخذنا مقاربة لسيناريو يلاحق العيّار الى باب الدار، على قاعدة انهم ضاقوا ذرعاً بالرئيس "أبو مازن"، فهل يمكن أن نصدق أنهم وصلوا الى درجة من الغباء تجعلهم يلوّحون بتصفيته للتخلص منه، بينما في مقدورهم إبلاغه وهو في الخارج، أن "التنسيق" الإجرائي لدخوله وعودته لم يعد متاحاً؟! فإن كان المحتلون أرادوا تصفية الرئيس الشهيد ياسر عرفات، بطريقة لا تترك أثراً لجريمتهم، وهو الذي واجه عنادهم وقاتل ضد انقلابهم على عملية التسوية، وخاصمه الأقربون العرب أو قاطعوه، وعاداه الأمريكيون في العامين الأخيرين؛ فكيف يلمّحون الى رغبتهم في التخلص من الرئيس عباس، الذي يؤيده الأقربون والأبعدون، وهو الذي يتزعم تيار التسوية المتوازنة وجعل السلام خياراً استراتيجيا لا بديل له، ولم ولا ولن يعتمد قتالاً بالنيران مراعاة لحقائق ميزان القوة، واستئناساً بالحقائق والمدركات الوازنة للقضية الفلسطينية، بمعايير السياسة والقانون الدولي؟!

إنهم يتغابون، إذ لم يبلغ غباؤهم الى درجة الاقتناع بهذه الحماقة، لكنهم يريدون توظيف واقعة جريمتهم التي أودت بحياة عرفات، لتكون عنصر تأثير نفسي على القيادة الفلسطينية..!

هؤلاء الذين لا يحترمون عقول الناس ولا الوقائع الكبرى، ويعتمدون مثل هذا الهَذْر القبيح، يعاندون السياسة أيضاً. فهم يعلمون أن بُنية الاجتماع السياسي الفلسطيني، تقوم على التمسك بثوابت القضية والثوابت المعتمدة للتسوية، وهي التي يقف عندها الفلسطينيون عند الخط الأخير. وهؤلاء المحتلون، يحاولون كسر إرادة الشعب الفلسطيني كله لكي يرضخ، وما جريمة أمس التي راح ضحيتها شاب يافع هو الشهيد محمد محمود مبارك، إلا دليلاً على اختيار طريق الصراع وتعميق الكراهية وحث الناس على الانتفاض، وهم بهذه الجرائم يريدون إحالة السلطة الى كيان زائد يقوم بين شقيْ المعادلة ويلتبس أمره على الناس، وهذه وسيلة لإضعاف الحركة الوطنية الفلسطينية والضغط عليها لكي ترضخ. فالشهيد محمد مبارك، من مخيم الجلزون. معنى ذلك أنهم يقتلون شاباً ولد وترعرع في مخيم للاجئين، وفي هذا رمزية مضافة، فعندما ارتضى الشهيد الجديد أن تقوم دولته المستقلة على ما تبقى من الأرض، استمروا في جرائمهم، لكي يغتالوا حتى مستقبل اللاجيء وشعبه، وهنا هم يحشرون شعبنا في الزاوية لكي ينفجر ثم يتحدثون عن إرهاب. هذه هي لعبتهم التي يسايرهم فيها الأمريكيون..!

فضلاً عن كون الرئيس عباس لا ولم ولن يقبل الصيغة الإسرائيلية للاتفاق على تسوية مهما تداعت الأمور وتواصلت جرائم الاحتلال؛ فإن أي زعيم فلسطيني لن يقبلها، وهذا ما تمليه شرعيته وقناعاته، لذا إن أي مساس بالرئيس عباس أو أية مضايقة له، سيكون مع الاستمرار في الجرائم، من شأنه إعادة الأمور كلها الى المربع الأول والى المعادلة الأولى: شعب يرزح تحت نَيْر أسوأ وآخر احتلال عسكري في العالم، بقوة احتلال أحرقت أكذوبتها بنفسها، ولم تعد في عين العالم تمثل دولة صغيرة محاطة بمن يتهددون وجودها. وستكون إسرائيل استحقت أمام الرأي العام العالمي مقاطعتها وعزلها، كدولة إرهاب، ليس في الإقليم وحده، وإنما من سائر الأمم والقوى والدول المحبة للعدالة..!

ربما نكون اليوم، في أوقات تشبه ما يسمونه ربع الساعة الأخير. ما ينفثه المحتلون من سموم، هدفه التمهيد لجواب راضخ لمقترحات ظالمة قدمها جون كيري. فبعد رضوخ الإدارة الأمريكية لمنطق حكومة إسرائيل التي يتقلد فيها مواقع المسؤولية معارضون متطرفون للتسوية أصلاً عندما بدأت؛ يريدون رضوخنا نحن أصحاب الحق وأصحاب الأرض. ورضوخ إدارة أوباما، عندما يكون على حسابنا، يذكرنا بالعبارة المأثورة التي وردت في خطاب طويل أرسله جمال عبد الناصر الى الرئيس جون كينيدي في العام 1960 عندما تقلد منصبه: لقد أعطى من لا يملك، وطناً لمن لا يستحق..!

لعل ردود الأفعال الفلسطينية على هذه التهديدات المتغابية، لا تحجب رؤية حكومة المحتلين عن الحقيقة. فـ "أبو مازن" لن يرضخ لمقترحات تنتقص من الحق الفلسطيني وفق محددات التسوية، ولن تخيفة ولن تخيفنا مثل هذه التهديدات. إن أرادوا العودة الى المربع الأول والى المعادلة الأولى، سيكون لنا حديث آخر. ما يستحقونه أصلاً، هو أن نتمسك بموقف لا يقر بمشروعية دولتهم، وسيكون صعباً وعسيراً إن عدنا الى المربع الأول، أن نقر بهذه المشروعية الجارحة والمغايرة لحقائق تاريخ الصراع. ولن يكون ثمة اعتراف بهذه المشروعية، على قاعدة اتفاقات إعلان مبادي وبموجب صيغة الأطر التي تفتح تاريخاً جديداً من التفاوض العبثي. الموقف الآن: إما التسوية المتوزانة وفق القرارات الأممية، أو العودة الى المربع الأول. فالشعوب لا تموت، وما يقع من السماء تتلقفه الأرض..!