غزة و احتمالاتها...
تاريخ النشر : 2014-01-21 02:33
سأعرض في هذا المقال الاحتمالات و السبناريوهات الممكنة للوضع الراهن في غزة و ذلك استكمالاً للمقال السابق الذي تحدثت فيه عن أزمة العلاقات المصرية مع غزة (موجود في التعليق الأول). لكن قبل الخوض في ذلك، دعونا نثبت الأمور التالية:
1- كافة أطراف العمل الفلسطيني في مأزق من شتى النواحي سواء على الصعيد السياسي أو الشعبي أو الاقتصادي.
2- القيادة المصرية الحالية ليست كمبارك رغم أنهما خرجا من مشكاة العسكر، غير أن مبارك خلع ثوبه العسكري منذ القدم و انخرط ضمن إطار السياسة بشكل يختلف عن الأشخاص الحاليين أصحاب طريقة التفكير العسكرية و العسكرية البحتة.
3- طبيعة التعامل بين مصر و إسرائيل مبنية على أساس العالقات الدولية و تنطلق كافة الأعمال و التوجهات من هذا المنطلق. فهم على خلاف الفصائل التحررية الفلسطينية و على خلاف السلطة الفلسطينية الضعيفة لا يتحركون من منظور الاحتلال بل يتعاملون مع دولة جوار شأنها شأن ليبيا و السودان بلا تفرقة.
4- غزة كمنطقة لا تهم أحداً بالمطلق، فقط المطلوب منها ضبط الأمن وعدم نزع استقرار المنطقة وهذا أمر واضح منذ الانسحاب الإسرائيلي عن قطاع غزة في 2005 وصولاً لخطة كيري التي تتعامل مع غزة بنظرة هامشية.
5- أبومازن لن يسمح لأي طرف غيره أن يغير موازين الوضع في غزة دون وجوده بالصدارة، لكنه غير مهتم بأن يشعل الفتيل لهذا التغيير.
6- إسرائيل باتت أقل رغبة في التعرض لمخاطرات و مجازفات و لن تخوض مع غزة إلا بالشكل الكافي لضمان استقرارها (دون مخاطرة).
تلك النقاط ستجعلنا نفهم كافة المعايير المكنة لغزة و سترجح كفة سيناريوهات على أخرى. و مع تصاعد وتيرة الإنذار بحرب قادمة على غزة و مع كثافة التهديدات المصرية و التي تحولت من وسائل الإعلام لتخرج على لسان مسئولين أمنيين و عسكريين ، كان لا بد لذلك أن نناقش السيناريو التالي أولاً.
سيناريو (أ) - الحرب
و هو سيناريو حتمي و أزلي للتعامل مع غزة ما دامت بؤرة للعمل المسلح غير أنه يصبح أقرب أو أبعد حسب غليان الساحة و وفقاً للمتغيرات الاستراتيجية و الأمنية على الأرض. في الوقت الراهن ستكون من الصعوبة بمكان قيام حرب لكن الأكيد أنها أصبحت أقرب من قبل، و دعونا نترك التصريحات الإسرائيلية الحماسية جنباً فهي لا تعدو كونها رداً منطقياً في خطاب الجمهور الإسرائيلي لإظهار الردع و القوة و السيطرة لا أكثر و لن تتجاوز في ردها على علميات محدودة و مركزة برد الصاع صاعاً أو صاعاً و نصف لا أكثر.
لكن المؤشر الذي جعل الحرب أكثر قرباً هو انتهاء الاستفتاء على الدستور مما يعني استتباب الوضع في مصر و كل ما سيلي ذلك تحصيل حاصل لترسيخ شرعية حكم القيادة العسكرية الحالية و الأمر مسألة وقت. هذا الأمر سيعطي راحة للجو المصري للبدء في أولوياته التالية ألا وهي إقصاء العدو الآيديوليجي في الشق الفلسطيني (إخوان فلسطين) متمثلاً ذلك في إنهاء حكم حماس في غزة.
لذلك فسيناريو الحرب له 3 احتمالات:
1) حرب إسرائيلية على غزة: و هذا مستيعد في ضوء ما ذكرنا سابقاً و يحتاج إلى تهديد وجودي لإسرائيل كي تتحرك في اتجاه في الفترة الحالية.
2) حرب إسرائيلية مصرية على غزة: و هو أمر وارد و هو الخيار الأفضل لمصر إذا لم تضمن الاستقرار الأمني لديها بشكل كافٍ، لكن إسرائيل لن تتوجه له إلا إذا تحاصصت مع مصر تمويل ضرب غزة.
3) حرب مصرية على غزة: و هو ما يمكن حدوثه في حالة استحكام تلابيب السلطة بين يدي القيادة الحالية لتتوجه بعدها لتأمين العمق العربي في غزة و ضمان حدود خالية من أيديولوجيات إخوانية متمثلة في حماس.
سيناريو (ب) - التحالف
و هنا نستبعد الطرف المصري فهو من الاستحالة بمكان أن يتحالف مع حماس بأي شكل كان، فالعسكرية لا تعرف سوى الانتصار أو الهزيمة لا تعرف سوى الأبيض أو الأسود ، و حماس بعمقها الإخواني يستحيل أن تكون حليفاً من منظور العسكري المصري. لكن التحالف هنا وارد مع الأطراف الفلسطينية الفاعلة لعى لاساحة الدبلوماسية و الممثلة بطرفين:
1) عباس: و هو خيار ممكن لتقوم حماس بتجنب سيناريو الصراع المذكور آنفاً من خلال تشكيل عباس غطاء و حصانة، في المقابل سيكون على حماس مساندة أبومازن في توفير دعم شعبي لاتفاق أبومازن المحتمل مع كيري. غير أني أستبعد أن تكون حماس مؤهلة لهكذا دور في الوقت الراهن.
2) دحلان: و الذي أراه بنظري الأوفق لحماس إن تمكنت من التحالف معه في الوقت الراهن، فهو من جهة يعد مستشاراً لعدد من الدول العربية في العلاقات مع إسرائيل حيث يعلم مفاتيح هذه الدولة و كيفية الوصول لعلاقات ناجحة مع أركانها، ومن جهة أخرى فهو المفتاح الأمني لقطاع غزة إذا أرادت مصر التحرك. لكنه أيضاً شخص ذو زعامة و له وجود بين أوساط غزية ، و سيكون من الجيد له عودته بين أحضان مريديه و مؤيديه خاصة في ظل خصومته مع أبي مازن. و في حالة التحالف مع دحلان كذلك ، سيكون هناك غطاء قوي لمنع السيناريو السابق.
سيناريو (جـ) - تحرك أحادي الجانب من رام الله
وذلك بالتوقيع على اتفاقية كيري دون المصالحة مع حماس و ربما يكون من ضمنهاإعلان دولة فلسطينية على أراضي الضفة و غزة و سيادة أردنية أو دولية على القدس الشرقية، و هذا الخيار سيكون صعباً إذ سيسهل وجود تحرك دولي ضد غزة إذا ما رغب أبومازن بفرض سيادته عليها. و هو خيار وارد خاصة في ظل المخاوف من انهيار منظومة السلطة مما يدفع أبومازن للتحرك.
سيناريو (د) - تحرك أحادي الجانب من غزة
وهو خيار مستبعد لأن هكذا خيار من شأنه تدمير القضية الفلسطينية بل و سيجعل وجود حماس في دويلة في غزة أمراً مستحيلاً من المنظور الدولي كافة ، خاصة و أنها لا تملك مقومات الدولة و من الصعب جداً امتلاكها في ظل الوضع الراهن.
و سأختم بأن أتمنى الحل الوردي وذلك بتوحد كافة الأطر الفلسطينية ضمن منظومة واحدة تضم الجميع و تضمن التمثيل الحقيقي لكل الفصائل و القوى ، و تكون مرجعاً للفلسطيينن بكافتهم مع اللاجئين و الشتات كافة و أبنائنا في السجون. هذا كفيل ليس بإنقاذ غزة ، بل إنقاذ القضية الفلسطينية كلها من خياراتها السيئة.
إلى أن يكون ذلك ، ستبقى غزة محاطة بنفسها و خياراتها.