يطالبني فريق "نوى" يومياً بكتابة مقال جديد يستبدل الأخير "أخطأ الرئيس" من أجل التجديد!
وأنا المسكونة بهواجسي النسوية والمكتبية أرفض الكتابة لملء مساحة فارغة، ولا أجد مثلبة في إبقاء العنوان المشار إليه بما أن الحال لا يقول غير ما قاله المقال السابق "أخطأ الرئيس"!
الإصرار على انتقاد رأس الهرم ليس شخصياً، فكما قال زكريا محمد "لا مشكلة لدي مع أبو مازن، مشكلتي مع الرئيس".
الرئيس مطالب بتحمل الأسئلة، بل وأكثر فواجبه أن يقدم الإجابات بدل ترك شعب بأكمله ضحية للشائعات والأخبار التي تطلقها مؤسسات الاحتلال الصهيوني وأدواته، فلا عتب ولا ملامة حين نبني أسئلتنا على معطيات ندرك تماماً أنها مدروسة وممنهجة لدس السم في قلب المتلقي –نحن- ولكن ماذا نفعل حين لا يكون لدينا مصدر غيرها، وأسوأ من ذلك حين، حين تثبت صدقيتها- ولو جزئياً- وتكذب مصادرنا نحن؟
فيحن تخرج علينا رواية إسرائيلية تؤكدها تسريبات عربية وأمريكية حول مقايضة الافراج عن أسرى ما قبل أوسلو مقابل التغاضي عن الاستيطان، والتغاضي يعني الاستمرار في التفاوض بعد تصدير بيانات الشجب والاستنكار التي نحفظها، أو مقايضة حرية هؤلاء الأسرى بالامتناع أو تأجيل التوجه إلى المنظمات الدولية، وتنكر قيادتنا الأمر، وتصر على الإنكار وبعد شهرين تستسلم وتعترف تحت شعار أن حرية أسير واحد وفرحة عائلة واحدة تستحق التضحيات (اعترافات متناثرة هنا وهناك لفريق التفاوض المستقيل)، من حقنا حينها أن نسأل لماذا لم تصدقونا القول من البداية بدل أن نركب شجرتكم ونكسر السلم؟
وحين تعلن المصادر الإسرائيلية عن استقالة الوفد المفاوض، وينفيها تقريباً كل المسؤولين الفلسطينيين - بما في ذلك كبير المفاوضين وبعد أيام يؤكدونها،- ويستمرون في أداء وظيفتهم- فماذا نصدق؟ ومن نصدق؟ وأي ثقة بقيت في المصدر الفلسطيني الذي يعطي أخباره لوكالات عالمية وإسرائيلية، وعلى إعلامنا المحلي اللهاث خلف تلك الوكالات ليأخذ الخبر اليقين تلاحقه المسبات والشكوك، والويل له إن نشر ما لا يسر المقاطعة والمتنفذون حولها.
اليوم تتجاذبنا وسائل الإعلام المحلية والخارجية، والقيادات المحلية والخارجية حول اتفاق الإطار الذي يجري التفاوض عليه مباشرة مع "كيري"، ومرة ثانية مطلوب ان نشكل رأي حوله وأقول نشكل رأي ولا ننصب المشانق، فالتسريبات تتحدث عن تفاوض من أجل الاتفاق على المرجعية، وأن اتفاق الإطار يختلف عن اوسلو بانه يتناول كل القضايا، ويحدد الوضع النهائي لكل قضية وجدولها الزمني (تتالي وليس توازي مرة أخرى)، والتسريبات أيضاً تتحدث عن أن الأمريكان لن يفرضوا حلاً بل سيصيغوا بناء على أولويات كل طرف دون الدخول بالتفاصيل.
وتاتي تسريبات مضادة أن هناك قناة سرية تبحث اتفاقا تفصيليا حول كل القضايا، وأن الرئيس يريد غطاء عربياً كي لا يتحمل وحده خطيئة الوصول إلى اتفاق قد لا يرضي الفلسطينيين وبعض الأطراف العربية، وكلها تبقى في إطار التسريبات ولا شيء مؤكد حتى لمؤتمر صحفي يعقده كيري في المقاطعة ويعرب فيه عن تفاؤله وان الامور تسير على ما يرام، فيخرج مسؤول من ذات اللقاء ليقول أن اللقاء صعب، ووجهات النظر متباعدة!
قد يقول قائل، ان المفاوضات يجب أن تجري بعيداً عن وسائل الإعلام كي تعفي المفاوض من الضغط الشعبي، ولكنها بحاجة لغطاء سياسي من المؤسسات الشرعية للشعب، والطريف في حالتنا، ان أعضاء اللجنة اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، يؤكدون في كل مناسبة انهم لم يعطوا هذا الغطاء ولم يوافقوا على العودة للمفاوضات بدون الشروط الفلسطينية السابقة، بل يخرجون علينا محذرين من خطورة الوصول إلى اتفاق إطار لا يمكن للقيادة- يقصدون الرئيس- ان ترفضه لأنه سيكون عمومي وقابل للتأويل حسب كل طرف، والأطرف في هذه الحالة أن لا معلومات موحدة لدى الأعضاء، وكل منهم يعطي معلومات مغايرة عما جرى في ذات الاجتماع.. يعني بكلام آخر، أعضاء اللجنة التنفيذية يتنصلون من أي مسؤولية تجاه هذه المفاوضات، وكذلك الفريق المفاوض- المستقيل ولم تقبل اسقالته- يتنصلون من الاتفاق، ويعترف كبيرهم بخطيئة عدم التوجه للمنظمات الدولية، ويستمر التفاوض ويلح السؤال، من الذي يفاوض إذن؟ وبأي غطاء يفاوض؟ ومن سيتحمل مسؤولية التوقيع على اتفاق اطار؟
تبدو الاجابة واضحة لكثيرين، فالرئيس يفاوض مباشرة معتمداً على الشرعية الشعبية التي منحت له في العام 2006 ولم تتجد عبر انتخابات أخرى، والشرعية التي خلقها الفراغ الناجم عن حالة الانقسام والشرذمة التي أصابت القضية والشعب والأرض.
وعليه يصبح من العدمية مسائلة أي شخصية أخرى غيره، وسنبقى مصرين أن "أخطأ الرئيس،أو أصاب الرئيس".
