المقترحات الأمريكية والخيارات الفلسطينية
تاريخ النشر : 2014-01-12 15:04

أنهى وزير الخارجية الأمريكي جون كيري زياراته المكوكية العشر في الشرق الأوسط بهدف تحقيق تقدم في المفاوضات الفلسطينية-الإسرائيلية من خلال السعي لتوقيع "اتفاق إطار" بين الجانبين، هذا وحظيت جولات كيري بتغطية إعلامية عربية وعالمية هائلة جداً، بالرغم من سرية النقاشات، حيث لم يحظ سابقوه بهذه التغطية لأنهم كانوا عبارة عن مبعوثين من وزارة الخارجية مثل جورج ميتشل، الذي عرف بتسيير المفاوضات غير المباشرة التي باءت بالفشل، وكذلك تلك الجهود التي قامت بها وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون والتي كانت كما سماها البعض بالسياحية لأنها لم تكن جدية.

السؤال المطروح الآن: ما هو الجديد لدى الإدارة الأمريكية، وهل هذا الجديد يؤسس لسلام عادل، وإذا لم يمكن كذلك فما هو المطلوب فلسطينياً، و هل لدى الفلسطينيين من قدرة و أوراق تأهلهم للبدائل؟

قبل الحديث عن الجديد الذي طرحه كيري في الغرف المغلقة على السيد الرئيس محمود عباس (أبو مازن) وعلى رئيس الوزراء الإسرائيلي نتانياهو علينا النظر بشمولية للسياسة الأمريكية الشرق أوسطية والدولية، ومقارنتها بنفس الإدارة الأمريكية السابقة، بصراحة هناك تغيير كبير في السياسات الخارجية الأمريكية بغض النظر عن مواقفنا نحن من هذه القضايا، ومثال ذلك التغيير في المواقف الأمريكية مما يحصل في مصر، فقد كانت الادارة الأمريكية داعمة للإخوان المسلمين، أما الآن فلم يبقى داعم للإخوان ومرسي سوى سوزان رايس، والتي ظهرت خلافاتها مع وزير الخارجية كيري إلى الإعلام الأمريكي خاصة في صحيفة الهرالد تربيون Herald Tribune واسعة الانتشار. وهناك الجديد في السياسة الأمريكية أيضاً في سوريا، حيث كان الموقف الأمريكي في النصف الأول من العام الماضي متشدد جداً تجاه الرئيس السوري بشار الأسد، وكان هناك إجماع لإسقاطه قبل مؤتمر جنيف1، إلا أن الموقف الأمريكي الحالي ليس بتلك الحدة من الأسد، فها هم يدعون لمؤتمر جنيف 2 مع إسقاط شروطهم السابقة. و هناك أيضا تغيير حيال السياسية الأمريكية مع إيران-روحاني، حيث حقق وزير الخارجية الأمريكي انجازاً كبيراً يشهد له العالم أجمع والمتمثل بالاتفاق المرحلي بين الدول الكبرى وإيران حول برنامجها النووي، يضاف إلى ما سبق أن هناك تغيير أيضاً في السياسة الأمريكية على المستوى الدولي، أي على مستوى التوازنات الدولية مع روسيا، ومع الصين، ومع القوى العظمى داخل الإتحاد الأوروبي.

إن هذا التغيير في السياسة الأمريكية على المستويين الإقليمي الشرق أوسطي، وعلى المستوى الدولي لم يأت لأن الولايات المتحدة أصبحت دولة صديقة غير معادية، أو أصبحت دولة غير امبريالية، بل هذا التغيير في السياسات الخارجية الأمريكية يدلل على اعتراف الولايات المتحدة بأنها لم تعد هي القوة الدولية العظمى الوحيدة، أي أن أمريكا تعلن عن اعترافها بأن النظام الدولي الحالي لم يعد أحادي القطبية بقيادتها كما كان خلال العقدين السابقين، بل هو نظام دولي متعدد الأقطاب بعضويه كل من روسيا والصين والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية، إضافة إلى الاعتراف الأمريكي بحجم و قوة النمور السود في جنوب شرق آسيا، وفي أمريكا اللاتينية، وغيرها من أقاليم العالم.

رجوعاً للسؤال حول ما هو جديد لدى الإدارة الأمريكية الحالية لدينا كفلسطينيين، باعتقادي أن المواقف الأمريكية الحالية بالضرورة أن تختلف عن مواقفها خلال العقدين السابقين، أي أننا ضمن رزمة المواقف الجديدة للإدارة الأمريكية في الشرق الأوسط، كما هي في سوريا، وإيران، ومصر وغيرها، وذلك لأن أمريكا تتبنى سياساتها استنادا لمصالحها، ومصالح حلفائها، لكنها كغيرها، في نهاية النهايات تنحاز فقط لمصالحها بغض النظر عن مصالح حلفائها.

إذا ما هو الجديد في مقترحات كيري؟ لا أحد يعرف تفاصيل المقترحات الأمريكية باستثناء ثلاثة: السيد الرئيس محمود عباس، ورئيس وزراء دولة الاحتلال نتانياهو، وكيري و فريقه، أما المساعدون المفاوضون لدى الأطراف، فكل يعرف حسب مستواه، كلما ارتفع المستوى في الهرم السياسي، كلما زادت المعلومة والمعرفة، وكل ما ذكر في الإعلام هو توقعات وتكهنات فقط.

إن التوقعات لما يجري في الغرف المغلقة من جدية المفاوضات يبنى على قراءة الحروف والكلمات في تصريحات القادة، ويبنى أيضاً على مجموعة المؤشرات، وردود أفعال المفاوضين بما فيهم كيري. فيما يلي بعض هذه المؤشرات:

1. تغيير نهج التطبيل والتزمير: يظهر أن كيري قد منح صلاحيات كبيرة من قبل اوباما المشغول في الملفات الداخلية، وخلافاته مع الكونغرس. إن حصول كيري على هذه الصلاحيات أعطته إمكانية اكبر للمناورة والحركة، و التضحية بمستقبله أيضا إذا فشل، وهذا ما تحدث عنه الكاتب الأمريكي دويل مكمانوس في لوس انجلوس تايمز Doyle McManus, Los Angeles Times قال :" يجب الوثوق في كيري لأنه تحمل المخاطر، وذلك في تناقض مع هيلاري كلينتون التي أسندت المهام غير الواعدة للمبعوثين حتى لا تتحمل الفشل، إلا أن كيري سيتحمله”، وقد تكون نهايته السياسية بعد المجد الذي حظي به خلال العشر سنوات الماضية على المستوى الداخلي والآخر الخارجي. و هذا اكبر مؤشر على أن كيري جاد و جدي في مقترحاته.
الكل منا يعرف أن نهج هيلاري كلينتون كان في عملية التطبيل والتزمير والحديث مع الفضائيات أكثر من الحديث مع أطراف الصراع، أما كيري، ومن أجل حفظ خط الرجعة استطاع أن يحافظ على سرية المقترحات، وبصراحة حفاظه على سرية ما يتم تداوله في المفاوضات يعني قدرته، وقوته في ضبط الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني، بمعنى أنه الراعي وهم الأبناء.

2. اللغة الإعلامية 
الكل استطاع أن يفرق بين لغة كيري، ولغة هيلاري و اوباما من قبله، ومثال ذلك وبالتحديد ما قاله كيري في تشرين الثاني الماضي أثناء لقاءه التلفزيوني مع الصحفيين الإسرائيليين والفلسطينيين، وحول إجابته لتعنت الطرف الإسرائيلي قال :" البديل للعودة إلى المحادثات هو الفوضى المحتملة، فهل تريد إسرائيل انتفاضة ثالثة؟" هذا ما قاله كيري:"انتفاضة ثالثة"، وهذا جديد على المصطلحات المستعملة أمريكيا وعربياً أحيانا، حيث كانت كلينتون تتحدث عن "أعمال العنف"، واوباما كان يتحدث وما زال عن الأعمال العدائية، كما هو في الاتفاق الذي ابرم بين إسرائيل وحماس برعاية مصر- مرسي حيث تحدث البند رقم 2 عن أعمال عدائية وليس عن انتفاضة أو مقاومة.

3. ترحيب السعودية بالمقترحات الأمريكية
لقد كانت السعودية أحدى المحطات المركزية ل كيري خلال جولاته المكوكية الأخيرة، وهذا مؤكد يعني أن المقترحات الأمريكية الجديدة مبنية ظاهرا على المبادرة العربية التي تقدمت بها السعودية للقمة العربية عام 2002، إضافة إلى كون السعودية صديق وحليف استراتيجي للولايات المتحدة، ولها مصالح مشتركة معها و مع وإسرائيل، ولها مصلحة أيضاً بإنهاء الصراع الفلسطيني الإسرائيلي بأي شكل من الأشكال سواء يلبي الطموحات الفلسطينية أو لا يلبي، فبدورها ستقوم بالضغط على الجانب الفلسطيني، فالمهم لدى السعودية وضع ملف الخليج وإيران على أولويات جدول الأعمال الأمريكي والعربي لا سيما و أن هناك مؤشرات لهزيمة السعودة في سوريا، إضافة لتورطها في تفجيرات فولكوكراد Volgogradفي روسيا، حيث تعلم السعودية أن هناك تحالفا على حدودها بين إيران و روسيا، و تعلم كذلك إن روسيا بوتن ليست روسيا يلتسن، لذلك لديها استعداد للضغط على الفلسطينيين لضمان دعم الأمريكان لها في المستقبل القريب.

4. اجتماع باريس الأسبوع القادم
يظهر أن مقترحات كيري لم ترفض من قبل أي من الأطراف خاصة جمهورية مصر العربية التي وصفت المقترحات الأمريكية الأسبوع الماضي بوصمة العار، إلا أنها أعلنت عن مشاركتها في اجتماع يوم السبت 11/1/2014 في باريس مع وزير الخارجية الأمريكي للاطلاع على تفاصيل المقترحات، جاء التغيير في الموقف المصري بعد قيام السيد الطيب عبد الرحيم باطلاع رئيس الجامعة العربية على مضمون المقترحات. فمن المفترض أن يلتقي كيري مع الوفد الوزاري العربي الذي يضم في عضويته قطر ومصر والأردن والسعودية وفلسطين، إضافة إلى الأمين العام للجامعة العربية. هذا وسيعود كيري إلى المنطقة مجدداً للاستماع إلى الفلسطينين والاسرائيلين بعد تهديدهم بالانسحاب من هذه المفاوضات. السؤال المطروح الآن :" هل المقترحات الأمريكية الجديدة تلبي الحد الأدنى من الحقوق والمطالب الفلسطينية؟

بالتأكيد وبالرغم من جدية المقترحات الأمريكية، وبالرغم من الجديد بها، إلا أنها لا تلبي الحد الأدنى من المطالب الفلسطينية، جاء هذا الاستنتاج من خلال المؤشرات التالية:

أ‌- التنازلات المؤلمة من طرفي النزاع:
أن أكثر ما تحدث عنه كيري خلال جولاته العشر هو "التنازلات المؤلمة" من أطراف النزاع conflict، ولم يتحدث عن الصراع" struggle، وهذا في لغة السياسة يعني أن الأراضي المحتلة عام 1967 "دولة فلسطين المحتلة" هي أرض متنازع عليها بين الفلسطينين والإسرائيليين، أي أن فلسفة كيري تقوم على مبدأ "ما هو لإسرائيل يبقى لإسرائيل (1948)، دعونا نقسم المقسم، أي تقسيم الضفة الغربية بين إسرائيل و الفلسطينيين"، لذلك جاء موقف كيري والإدارة الأمريكية بارداً من قضية ضم دولة الاحتلال للغور الفلسطيني، ومن قضايا الاستيطان عامة وفي القدس بشكل خاص، و هذا يؤكد ما قيل عن المقترحات الأمريكية التي تتضمن مثلا عاصمة فلسطينية في القدس الشرقية، أي إعطاء فلسطين جزء صغير من القدس الشرقية ليكون عاصمة، إضافة إلى احتفاظ إسرائيل بجيشها على الحدود مع الأردن، و طبعا إبقاء الكتل الاستيطانية حول القدس، و اريئيل و كريات أربع، كل هذا مقابل تنازل إسرائيل عن بعض المستوطنات في محافظة نابلس و طولكرم و رام الله و الخليل، و إرجاع الوجود الرمزي الفلسطيني على جسر الكرامة كما كان قبل الانتفاضة الثانية، و السماح بإدخال عشرات اللاجئين إلى ديارهم أمام وسائل الإعلام.

ب‌- يهودية دولة الاحتلال و تبادل الأراضي و ما عليها
أصبح مطلب دولة الاحتلال جزء لا يتجزأ من المقترحات الأمريكية، نستطيع أن تستنتج ذلك من خلال تصريحات الصف الثاني في القيادة الفلسطينية بعد كل زيارة من زيارات كيري الرافضة ليهودية الدولة. ان الهدف الرئيسي لدولة الاحتلال من ذلك هو تحريك شارع رقم 6 (غيش شيش)إلى الغرب من الخط الاخضر لاستبدال المثلث أرضا و شعبا بالمستوطنات العشوائية التي ستنسحب منها إسرائيل.
ت‌- سيادة منقوصة
من المؤكد أن المقترحات الأمريكية لا تتحدث عن دولة فلسطينية كاملة السيادة ولها حدود سيادية مع جيرانها، جاء ذلك من خلال البيان الذي أعلنه أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير أ.ياسر عبد ربه والذي نشر في صحيفة الأيام والذي جاء فيه :" أن اتفاق الأطراف المقترح يقيد السيادة الفلسطينية- على الأراضي الفلسطينية"، اعتقد أن ذلك يؤكد التسريبات التي وصلت إلى صحيفة هآرتس الإسرائيلية والتي تحدثت عن نقاط رقابة إسرائيلية على مرتفعات الضفة الغربية و الغور، وتحدثت أيضاً عن مقترح تأجير الغور و مستوطناته لدولة الاحتلال، إضافة إلى تبادل في الأراضي بناءً على مرجعيات عنصرية، أي ضم فلسطيني المثلث للدولة الفلسطينية متناثرة الأشلاء.

ث‌- الإشارات الحدودية
حاول كيري خلال زياراته الأخيرة أن يخرق التقاليد الأمريكية حين وجودهم في المنطقة، حيث اعتادوا القدوم من الأردن إلى إسرائيل، والمغادرة من إسرائيل إلى الأردن في إشارة إلى أهمية ربط إسرائيل بحدود مع الأردن، إلا أن كيري غير هذه المعادلة و تنقل أكثر من مرة مباشرة بين رام الله و الأردن، و هذا يؤكد الاستعداد الأمريكي لتضمين الحدود في اتفاق الاطار.

هناك سؤال قديم جديد يحاول البعض إثارته في كافة النقاشات، حيث يقال بان أمريكا تتبنى وجهة النظر الإسرائيلية، اعتقد أن هذا هراء، فإسرائيل لا تستطيع معاداة الولايات المتحدة الأمريكية بصفتها الداعم المالي والسياسي لها، واسرائيل لا تستطيع إيجاد حليف دولي لها من اللاعبين الرئيسيين في النظام الدولي أفضل من أمريكا، وعلى سبيل المثال حاول وزير خارجية إسرائيل ليبرمان إيجاد بديل عن أمريكا خلال دورته السابقة، حيث طاف الشرق والغرب باحثاً عن قوة دولية لدعمه ودعم سياسته وبرامجه، إلا أنه لم يجد آذان صاغية، فها هو اليوم يحاول مسح الجوخ للأمريكان لإرضائهم، جاء ذلك خلال مؤتمر مسؤولي الممثليات الذي عقد في وزارته، وعلى لسان أسرة تحرير هآرتس " تحدث ليبرمان مثنيا على اقتراحات وزير الخارجية الأمريكي قائلاً: أن المقترحات الأمريكية أفضل من أي اقتراح بديل للأسرة الدولية". أما رئيس الوزراء الإسرائيلي نتانياهو الذي خفت نجمه في الولايات المتحدة فهو منزعج جداً من المقترحات الأمريكية بالرغم أنها لا تلبي أيا من الحدود الدنيا للفلسطينيين، عبر عن ذلك خلال المؤتمر الصحفي يوم الخميس الماضي 2/1/2014 وبعد لقاءه مباشرة مع كيري حيث قال :" لا يوجد شريك فلسطيني، محمود عباس يستقبل الإرهابيين كالأبطال".

إن هذه التصريحات ضد السيد الرئيس لا تعني سوى التناقض في المواقف بين الإسرائيليين والأمريكان، ويعني أن مستوى التنسيق بين الأمريكيين والإسرائيليين لم يعد كما كان خلال العقديين الماضيين لاسيما وأن كيري هذه المرة لديه صلاحيات كبيرة كما أشرت سابقاً، ودلل على ذلك مارك لاندر مراسل انترناشونال نيويورك تايمز Mark Landler, New York Times المرافق لوزير الخارجية الأمريكي، حيث قال أن تجربة كيري في المفاوضات الحلية تقوم على أساس التخمين أكثر منها على جداول معتمدة، وأضاف أن جدول أعمال كيري شيء نظري، وإدخال التغيرات هو السائد."

هناك أصوات في الائتلاف الحكومي الإسرائيلي مزعجة للإدارة الأمريكية خاصة من قبل ممثلي البيت اليهودي الذين ينظرون بخطورة لمقترحات كيري الأخيرة، عبرت عن ذلك النائبة في الكنيست الإسرائيلي اوريت ستروك رداً على جولات كيري قائلة عبر شاشة القناة الإسرائيلية الثانية :" لنبني يهودا والسامرة، لنبني البلاد، لنستوطن في بلاد الآباء والأجداد".

بصراحة تامة جداً علينا أن نعي وندرك بأننا نحن الفلسطينيون الذين نعاني من غياب السلام وليس دولة الاحتلال، لذلك أي مقترحات للسلام أو حتى لتهدئة الأوضاع ستكون مرفوضة بالنسبة للاسرائيلين، فإسرائيل تريد الأرض الفلسطينية، وليس لديها أي استعداد للانسحاب من شبر واحد من هذه الأرض مادام سكان تل أبيب و حيفا يعيشون حياة طبيعية، واقتصادها في تطور مستمر، وهي تعتبر نفسها موحدة، تحقق الانتصار تلو الانتصار بصفتها القوة العسكرية الأولى في الشرق الأوسط، وامتلاكها للسلاح النووي، وهي لم تشعر بأي تهديد من أي طرف عربي، لذلك هم يرفضون أي مقترح سواءً كان أمريكيا أو مالطياً.

أما لماذا يضغط الأمريكان على إسرائيل هذه المرة، فهذه قضية تتعلق بالمصالح الأمريكية، حيث لا تسمح أمريكا لدولة الاحتلال أن تساهم في تهديد المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط بعد الكم الهائل من التغيرات الإقليمية خاصة في مصر و إيران و سوريا و غيرها، فأمريكا أصبحت تقترب لقراءة الواقع الجديد في العالم العربي، إلا أن دولة الاحتلال ما زالت تستند في سياساتها للدراسات السابقة.

السؤال الأخير الواجب طرحه فلسطينياً: ما دام هناك الجديد في الموقف الأمريكي و في المقترحات الأمريكية التي حتى الآن لم تلب الحد الأدنى من المطالب والثوابت الفلسطينية، وما دامت إسرائيل ترفض هذه المقترحات، وبما أننا نحن الذين نعاني من استمرار الصراع، و بما اننا لن نتخلى عن الثوابت الوطنية، فهل أمامنا حلول أو خيارات؟

اعتقد أن هذا هو بيت القصيد. نعم لدينا خيارات أقوى من خيارات دولة الاحتلال، وتتلخص خياراتنا بما يلي: 
أولا: الاستمرار في المفاوضات حتى 31/3/2014:
أعتقد أن خروجنا الآن من المفاوضات قبل انتهاء موعدها يخرج دولة الاحتلال من عزلتها، و يرفع عنها الضغوطات الأمريكية و العالمية، و يضعنا نحن الفلسطينيون في خانة المساءلة، مؤكد أن البعض سيتساءل: أين هي الضغوطات الأمريكية على اسرائيل؟ الجواب يكمن بتصريحات ليبرمان الأخيرة الذي امتدح بها المقترحات الأمريكية، و هذا في لغة السياسة يعني ان كيري لم يعد يتحمل بغلا حليفا معه اسمه ليبرمان الذي يتحدث عن الترانسفير في القرن الواحد و العشرين. نعم، قد تكوم المفاوضات عبثية، و لن يخرج منها شيء، لكن الاستمرار بها مهم جدا على المستوى الدبلوماسي الفلسطيني المستقبلي في حال قمنا كغيرنا بالمطالبة بجنيفنا، إيران لها مؤتمر جنيف، و سوريا لها جنيفها، و نحن من حقنا أن نطالب العالم في مؤتمر جنيف الذي طالبنا بعقدة في سبعينات و ثمانينات القرن الماضي.

ثانياً: استكمال مشروع الدولة:
لقد ثبت لنا قبل غيرنا بأن 92% من شعوب الكرة الأرضية تؤيد أو لا تمانع إقامة دولة فلسطينية مستقلة، هذا ما تبين يوم 29/11/2012 في قاعة الأمم المتحدة، حيث التصويت لصالح فلسطين. علينا الاستثمار برأس مالنا الأممي، فنحن لسنا وحيدين في هذا العالم، على العكس من ذلك دولة الاحتلال هي المنبوذة، فلم يصوت لصالحها ولصالح الاحتلال سوى أمريكا وكندا والتشييك، وأربع مستوطنات أمريكية أخرى.
علينا أن نعي وندرك بأنه وإن كان هناك تنسيق ما بين الطرفين الأمريكي والإسرائيلي في الأمم المتحدة فما هو سوى الحفاظ على المصالح المشتركة، فقد التقت المصالح الأمريكية والأخرى الإسرائيلية في عملية عدم إعطاء الامتياز للشرعية الدولية وللأمم المتحدة ومؤسساتها لتأخذ دور الصدارة في حل الصراعات في العالم، فالمصلحة الأمريكية تكمن في أن تنفرد برعاية أي مفاوضات في أي بقعة من العالم، وذلك لان استبدال الدور الأمريكي باللاعبين الجدد في المؤسسات الأممية يعتبر إصدار شهادة الوفاة للنظام الدولي أحادي القطبية الذي استمر حتى عام 2010 بقيادة أمريكا. أما المصالح الإسرائيلية فتتمثل بعدم إعطاء أي شرعية للشرعية الدولية لأن دولة الاحتلال تخرق هذه الشرعية ليلاً و نهاراً، وأن أي أجراء أممي من خلال المؤسسة الأممية لن يكون لصالح دولة الاحتلال، بل لمحاكمة هذه الدولة ومحاكمة قادتها. لذلك لم تقم الإدارة الأمريكية بعقاب القيادة الفلسطينية بعد فضحها و تقزيمها في الأمم المتحدة يوم 29/11/2012، بل هرعت الإدارة الأمريكية وعلى رأسها وزارة الخارجية و بمباركة من الكونغرس الأمريكي بإيقاف استمرار التوجه الفلسطيني للأمم المتحدة، وجاءت المبادرة الأمريكية وقضية التسع شهور.

لذلك و لاختصار الطريق، ولتوفير الجهود على القيادة السياسية الفلسطينية إعلان يوم الثلاثاء 1/4/2014 موعدا للانطلاق لاستكمال المشروع الأممي من خلال:
1- استكمال إعداد العدة للارتقاء من وضع دولة مراقب غير عضو إلى دولة كاملة العضوية، وهذا بحاجة إلى الاستمرار في بناء مؤسسات الدولة، ومحاربة الفساد، واستكمال العملية الديمقراطية، وتشكيل لجنة أو مجلساً قانونياً من الفلسطينيين والعرب من الملتزمين و المؤيدين لهذا التوجه، والرجوع ثانية لطرق أبواب المؤسسة الدولية بناءً على قراري 181 من العام 1947 و قرار 1397 من العام 2002 اللذان يتحدثان عن دولة فلسطينية.
2- وضع الإستراتيجية الفلسطينية الشاملة Grand Strategy بحيث تشمل تطوير وتحديث، بل وعمل ثورات في قطاعات التعليم والصحة والزراعة والسياسة والصناعة والشباب وغيرها لنتمكن من إيقاف التراجع من اجل التقدم بخطى سريعة لبناء الاقتصاد الفلسطيني الوطني المختلط الذي يقلل اعتمادنا على الاقتصاد الإسرائيلي إلى الحدود الدنيا.
3- تفعيل دور لجنة المتابعة العربية لتفعيل دور الرباعية Quartet ، فأغلبية أطراف الرباعية تؤيد الحقوق الفلسطينية، و تؤيد قرارات الشرعية الدولية، و لم تعد هذه الرباعية في عام 2014 كما كانت في عام 2011، فالأمم المتحدة الداعمة لشرعيتها و لدولتنا عضو في الرباعية الدولية، و روسيا التي صوتت لصالح دولة فلسطين عضو في الرباعية و الاتحاد الأوروبي خليط ما بين مؤيد و ممتنع عن التصويت هو أيضا عضو في الرباعية، هذا يعني من خلال عملية حسابية بان نسبة تأييدنا في الرباعية يصل إلى 70%.
4- دحرجة فتوى لاهاي Hague Advisory Opinion إلى الجمعية العمومية على سكة القرار الأممي 377 "الاتحاد من اجل السلام". يمتلك الشعب الفلسطيني ثروة كبيرة جداً لا تقدر بأي ثمن، إنها رأي لاهاي الاستشاري، حيث لم تتحدث لاهاي فقط عن هدم الجدار، بل تحدثت أيضاً عن القرار 181 وعن الهدنة، وتحدثت عن القدس وما حولها، وعن صلاحية اتفاقيات جنيف....الخ. المطلوب فلسطينياً تحويل لاهاي من رأي استشاري إلى قرار، أو إلى قرارات، ويتم ذلك من خلال التقدم بها إلى مجلس الأمن المتوقع أن نصطدم هناك بالفيتو الأمريكي والآخر البريطاني، لكن علينا بعد ذلك استكمال المسيرة إلى الجمعية العمومية بالاستناد إلى القرار الأممي 377 لاستصدار قرار من الجمعية العامة، وهذا مضمون لعدم وجود نظام الفيتو هناك.
5- إصدار مرسوم رئاسي من أجل تقديم أوراق العضوية في كافة مؤسسات الأمم المتحدة وعلى رأسها عضويتنا في اتفاقية روما من العام 2002 المعروفة باسم محمكة الجنايات الدولية International Criminal Court- ICC(هذه الاتفاقية تعتبر سلاحا نوويا بيد القيادة الفلسطينية) من أجل ملاحقة القتلة من دولة الاحتلال، وملاحقة الشركات الدولية التي تعمل في الأراضي المحتلة التي تبني المستوطنات، وسكك القطارات، ومصانع الملح على بحرنا الميت والمطارات العسكرية.
6- المباش