جنين - نوى - روحي جرادات: الوطن وتجسيده وحضوره ولحظات استحضاره الدائمة والالتصاق الروحي والوجداني بمعالمه وتراثه وكل ما فيه من روعة وجمال.
ولأنه الوطن الفلسطيني الاستثنائي، ولأنه الوطن البعيد القريب الحاضر دائما في نفوس أبنائه، كان لا بد من هذا الالتصاق وهذا التواصل وهذا الميلاد المتجدد والمتجذر في أعماق التاريخ.
ولأن التراث وما يحمل من موروث ثقافي وحضاري لشعب يصر أن يبقى رهن الذاكرة ورهن الحياة رغم كل آلام التشتت وغطرسة أعدائه بتجسيد الهوية وتثبيت أركانها بكل السبل وبكل الوسائل المتاحة، فلتراثنا نكهة مختلفة وأهمية خاصة وإثبات هويتنا الفلسطينية والعربية العميقة، ولدحض ادعاءات الاحتلال والدخلاء واستهدافهم حتى التاريخ والإنسان والبنيان والتراث.
"الكبار يموتون والصغار ينسون "هكذا قال ديفيد بن غريون أول رئيس وزراء لدولة الاحتلال، أما الحقيقة الساطعة فقالت: عكس ما قال هذا المستجلب ولا ندري من أي أرض، فالكبار وإن ماتوا لكنهم تركوا أمانة التمسك بوطن لايمكن إلا أن يكون كما كتبه الله في اللوح المحفوظ؛ وطنا فلسطينيا خالصا.
أما الصغار الذين كبروا فقد أفشلوا نظرية بن غريون وحافظوا على الهوية وهذا ما كان وبامتياز، ففلسطين واقع يتجسد كل لحظة بوجدان كل فلسطيني حتى للذين لم يولدون بعد.
الفكرة ثابتة, وثمة أشياء تندثر وأخرى تأتي، لكن الفكرة والقناعة والإيمان لا تقبل الاندثار لأنها تنتصر لنفسها فتحمل معنى الانتماء الحقيقي وعليه فإن الذاكرة تنتعش من جديد.
"هوية منقوشة على جسد " كانت مبادرة لأخ عزيز وشاعر يتباهى بفلسطينيته رغم قساوة البعد ولحظات الاغتراب، أخي وصديقي عيسى أبو الراغب الذي عمل جاهدا وبكل بسالة وإصرار، عنيد ويساهم بقدر المستطاع رغم امكانياته المتواضعة ليقيم هذا المعرض ويجدد العهد على طريقته الخاصة ويستضيف من الأقطار العربية العديد من الشعراء والأدباء والكتاب ليقول بصوت مرتفع، فلسطين حاضرة فلا موجة التهويد ولا سياسة التجهيل ولا كل قوى الشر تمنعنا أن نصون هذا الإرث وهذا التراث وهذه الهوية الفلسطينية الخالدة.
هنا الصغار قد كبروا ولم ينسوا, ومن بين أزقة مخيمات اللجوء يعلنون من جديد انتمائهم ويجددون العهد فتزدان شوارع وأزقة مخيم البقعة برائحة الوطن الفلسطيني وأصالة التاريخ وعبير يفوح من ثياب أجيال مضت وربما رحلت من نساء الوطن المعذب.
إن التراث الفلسطيني له أهمية خاصة واستثنائية في تثبيت حالة الحضور المتواصلة سواء مع الأجيال المتعاقبة أو حتى على صعيد تعريف باقي الشعوب والأمم بهذا التراث، مما قد يفيد بتحقيق هدف أننا ها هنا صامدون، لنا إرث وتراث وثقافة نعتز بها ولنا وطن ولدنا فيه ونشأنا فيه وفيه نموت، إنه الوطن الممتد منذ كنعان وحتى آخر طفل يولد.
وأخيرا كل المحبة والتقدير والاحترام والعرفان لمن يبذل الجهد في نشر هويتنا التراثية والحضارية وشكرا لكل من يشاركنا نشر هذا الجمال وإحياء هذا الموروث الثقافي والحضاري والإنساني قبل كل شيء،"هوية منقوشة على جسد" وكما علمت من مدير المعرض انه سيكون بداية لسلسلة من المعارض التي ستقام بعدة دول عربية وإسلامية.
